بشرٌ أم مناضلون؟

الايام – صفحة رأي

نبيلٌ للغاية أن نموت من أجل فكرة.

سأرتقي  لذلك، فقط اعثروا لي على واحدة تستحق.

تتشارك كل الأفكار الجديرة بالاستحقاق (من بين تلك التي قابلتها حتى الآن)، في نقطة مركزية، وهي أنها تحمل في داخلها ـ بكل نبل ـ إمكانية إثبات أنها خاطئة، وهذا يجعلها تتشارك أيضاً مجموعة من الملامح الظاهرية مثل الإعلاء من شأن الحياة، وهجاء الموت بأقذع درجات الهجاء، حتى أن بعضها لا يرى سبباً  كافيا للموت سوى الضجر  (أقدمها على الإطلاق يسميه السأم من تكاليف الحياة).

فمن بين ما قابلت من أفكار كانت تلك التي أقنعتي أنها تستحق أن أموت من أجلها، تريد لي أن أعيش، بل وتريد لي أن أعيش سعيداً، وأكثرها لطفاً كانت تهمس قائلة: انغمس فيما تحب، وبمن تحب، فهناك طريقة واحدة لاصلاح العالم، وهي أن تصلح بقعتك منه.

مهما صنعنا من رموز، ومهما رسّخنا هذه الرموز وأحطناها بهالات القداسة، تبقى الايديولوجيا  فكرة خطرت لإنسان، ومهما عظمت هو ـمحض إنسان  عاش محكوماً بزمنه وبيئته، والثقافة التي يتيحها كلاهما، أعجب بفكرته بضع آخرون، وتحولوا ـ لسبب أو لآخر ـ إلى مبشرين ودعاة وحواريين، أو أياً كان اسمهم.

لا يقلل من شأنها أن تكون خطرت له في الحمام، أو أثناء مراقبة الحملان، أو في مغارة، أو نتيجة مناكفة مع أحد، ولا يزيد من شأنها أن يتبعها مليون أو مليار، فهي مؤقتة مثلنا جميعاً  أفراداً وأشجاراً وأمم وقارات.

تشيح الايديولوجيا بوجهها عن الزمن، فهو عنصر مزعج لمن يريد أن يرى في نفسه صفة الأبد، ومزعج أكثر لمن يحب ربط نفسه بالأزل، وهذه نقطة ضعفها الأساسية، فما من ايديولوجيا إلا وتظن بنفسها السرمدية، وتعامل العالم على هذا الأساس.

لقد غفر العلم ذات مرة لاينشتاين خطأ اعتقاده أن الكون ثابت، ولكني أرجّح أن ذلك كان عفواً خاصاً لن يتكرر. ولن يكون بإمكان أصحاب الايديولوجيات أن يحاججوا بقولة الثبات، دون أن يصرخ بوجههم أي طالب فيزياء: لقد كان ذلك خطأً، أما زلتم هناك؟

من عيوب الايديولوجيا البنيوية أنها تحتاج عدواً، ولا يستقيم وجودها دون وجود ذاك العدو، وهذا يجعلها مضطرة لإتيان أفعال ساذجة وتلفيق صفات وأحداث وتصورات، مرةً تعلي من شأن عدوها، وتنسب إليه قدرات أسطورية، لتبرر نفسها، ومرة أخرى تضطر أن تستبدل به صديقاً سابقاً، وتشيطنه.

تقوم إحدى أقدم السير الشعبية العربية (الزير سالم) على فكرة الحاجة لعدو، فطيلة أربعين عاماً تجنب الزير قتل عدوه، لأن موت جسّاس كان يعني موت قضية الزير، وفقدان معنى حياته، ورغم أننا بعد ستة عشر قرناً على تأليف تلك الحكاية بتنا قادرين على النظر إليها بتعقل وتفهّم، لكننا مع ذلك ما زلنا ندور حول جسّاسنا، محاذرين أن نصيبه بأذى، كي لا نفقد “قضيتنا”، وبلاغة تلك الأشعار التي نكتبها لدم كليب.

أصحاب الايديولوجيات وورثتهم، يحتاجون بعضهم، ويشكلون فيما بينهم تحالفاً غير مقونن وغير معلن، فهم يرون أنها جدران العالم التي ترسم المسافات والحدود بين البشر، وهم ذات البشر الذين ولدوا اول ما ولدوا طلقين عراة مشاءين، وولدوا مفطورين على الضجر.

وهم يرون كذلك أن عيوننا البشرية الصغيرة غير قادرة على رؤية العالم بشكل صحيح، وهي معرضة (كما يمكن ان تسمع في أي عيادة عيون) لانحراف وقصر ومدّ ومدّ شيخي وكسل وقذى وخدش… وأن الايديولوجيا هي النظارات التي تحسّن رؤيتنا وتصوبها.

لا بأس ــ ولا بدّ كذلك ـ  من أن يضع واحدنا نظارات الإيديولوجيا على عينيه وهو ينظر إلى العالم، وحتى نحن ـ المتهتكين أعداء الإيديولوجيا ـ  نفعل ذلك أحياناً ونتفهمه دائماً، لكن ما نريده هو حقنا بتغيير نظاراتنا كلما شعرنا بان النظارات التي نلبسها تتعب عيوننا أو حتى كلما نزل “موديل جديد”. وأن لا يستتبع ذلك تهم عظمى من قبيل: المرتد، العميل، الصعلوك الخائن لطبقته..  

تقدم لنا الايديولوجيا شعورين  رائعين:

ـ أنا متميز جداً، لدي فردوس سأصل إليه، حتى أنني لن أكتفي بالجلوس بانتظار موعد الذهاب لهناك، أنا اناضل لأجل ذلك، وأناضل لآخذ معي أكبر قدر ممكن من البسطاء المساكين.

ـ لا أريد الاعتراف بذلك، ولكن في الحقيقة أنا مجرد كائن في الطبيعة، وأنا ضعيف، ولست واثقاً من قدرتي على الذهاب منفرداً، الطريق موحش ومظلم ومجهول، سأمضي مع كل هؤلاء، فإذا تبين أني مخطئ، فسنكون جميعاً مخطئين، وأصلّي أن لا نكون جميعاً مخطئين.

أخبروني عن شيء في هذا الكوكب سوى الايديولوجيا قادر على تحقيق تلك المعجزة، أن يشكل نقطة التقاطع بين نقيصتين بشريتين بهذا التناقض: الغرور والقطيعية.

لو اتفقنا أن القانون ليس ايديولوجيا، فلن يكون “الآخرون هم الجحيم”، وسيعود الضلع لصدر شيئه، كما كان عليه أن يفعل منذ الأزل .

في حكاية غير واضحة النسب يقول الحكيم لتلميذه: لا تمنع نهراً جديداً من التشكل، فيرد التلميذ من قلب حيرته: لن أفعل، ولكن كيف استطيع ذلك أساساً؟ ينظر الحكيم بحب عميق ويوضح: بأن تُحسن الغناء للنهر القديم.

سدنة الايديولوجيا: هذا النقاش هو نوع من أنواع التمارين الذهنية لا أكثر، فانهاء هذا النقاش او تبريده سيحتاج فقط بعض الوقت، وحسمه نهائياً يحتاج فقط أن تستمروا بأداء هذا الغناء الرديء لأنهاركم القديمة.  

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر