لسنا بخير
النقد البنّاء.. للمبتدئين

سلمان عز الدين

كان الوجوم مخيماً على ركاب السرفيس الذين بدوا كمشيعين في مأتم الحياة نفسها. لا كلمة لا ابتسامة لا نظرة ود واحدة.. فقط لكزات أيد متوترة من أجل تمرير الأجرة إلى الأمام.

وحده السائق بدا من عالم آخر. كان يتشبث بابتسامة مشعة، مرحباً بالركاب الصاعدين، ومودعاً المغادرين كأنه واقف على باب بيته. شيئاً فشيئاً سرت العدوى إلى الركاب، فانفكت ألسنتهم وانفرجت شفاههم.

وفي لحظة طيش، أدار السائق مفتاح تشغيل الراديو، فانبرت مذيعة توبخ الركاب على كثرة شكواهم، مؤكدة أن الأمور على ما يرام، وأن الشعور بالأزمات هو مجرد وجهة نظر متشائمة.. فجأة عم صمت مدو، وصار السرفيس برمته على شفا شتيمة قد تلعلع من هنا، أو صفعة قد تنطلق من هناك.

إلى سنوات قليلة خلت، كان الصحفيون الذين ينتقدون انقطاع المياه في صحنايا أو تقنين الكهرباء في السبينة أو انفجار مجرور صرف صحي في نهر عيشة، يخاطرون بوضع أنفسهم تحت شبهة التواطؤ مع الحكومة، على اعتبار أن هذه “الكتابات الجريئة!” لا تفعل شئياً سوى “تنفيس الرأي العام”. وكان الصحفيون “الجريئون” يردون بغضبة المظلوم، ولكن بواقعية المغلوب على أمره: يحطمون طواحين هواء مهجورة، ويذبحون أبقاراً غير مقدسة، بلا صاحب، وتائهة في براري منسية..

 غير أن مذيعة السرفيس إياها، وزملاءها، يجعلون ذكرياتنا مضمخة بالحنين إلى تلك الأيام التي اعتقدناها عصية على التطويب فردوساً مفقوداً، فهم، وبدلاً من التنفيس، لا يتورعون عن النفخ في الجمر بكل ما أوتوا من شعارات وكليشات وأهازيج.. وفيما نحن نأكل البصل يأتي هؤلاء ليجبروننا على أن نتجشأ تفاحاً.

إذاعات وقنوات تلفزيون ومواقع الكترونية كثيرة، باتت مزدحمة بخبراء التغذية الذين يتنافسون على اجتراح طرائق لـ “الدايت”، على اعتبار أن البدانة، لا الفقر، هي الخطر الذي يتهدد أرواح السوريين اليوم. خبراء نفسيون يسعون إلى إنقاذ حياتنا من الرتابة، فينصحوننا بالذهاب إلى أحضان الطبيعة الغناء في الريف، كل نهاية أسبوع (الويك إند يعني)، وإلى البحر ثلاث مرات، على الأقل، في السنة.. أخصائيون تربويون يلحون على ضرورة ألا نفرد لكل واحد من أولادنا غرفة خاصة كي لا نغذي أنانيتهم وشعورهم بالوحدة!.

“حياتنا طبيعية.. طبيعية تماماً”.. هكذا يكرر هؤلاء الإعلاميون وضيوفهم بطريقة وسواسية، حتى بتنا نرتاب في وجود شيء غير طبيعي، ليس في حياتنا غير الطبيعية حتماً، ولكن في هذا “الاستهبال” الذي يستميت في إثبات أن حياتنا طبيعية..

مدرسة الصحافة السائدة الآن لا ترى في قطار الساعة الثانية، الذي يصل في الساعة الثانية، خبراً صحفياً ممتازاً وحسب، بل هي تحتفل (وتدعونا للاحتفال معها) بقطار الثانية الذي يصل، بمعجزة، في الثالثة والنصف.. فرن الخبز فيه خبز، وجرة الغاز فيها غاز، وحنفية الماء تصب ماء (أحياناً).. وإن كنتم لا تعرفون، فهذا هو بالضبط النقد البنّاء.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر