يوم طردنا بلفور من دمشق بعد 19 ساعة

رنا سفكوني

في نيسان 1925، زار اللورد البريطاني بلفور دمشق، ونزل فندق فيكتوريا لكنه لم يخرج من غرفته، بسبب المظاهرات الحاشدة للدمشقيين المنددين به وبوعده المشؤوم، وحصلت مصادمات مع قوات الانتداب الفرنسي آنذاك سقط خلالها أكثر من 50 جريحاً، مما اضطر بلفور إلى مغادرة دمشق بعد أن قضى فيها 19 ساعة فقط.

هذه الحادثة نادرة الذكر في المصادر التاريخية ليست الأكثر غرابة من بين القصص التي ارتبطت بهذا الفندق منذ بنائه عام 1897 وهدمه عام 1955، ولعل أكثرها غرابة هو قصة بنائه ذاتها.

فقد كان العام 1897 حين قررت ملكة بريطانيا العظمى “الكساندرينا فيكتوريا” أن تزور دمشق، وعندها بدأت قصة أول فندق يبنى على الطراز الأوروبي في دمشق، والذي سمي على اسمها، ولم يكن وحده من اطلق عليه اسم ملكة بريطانيا، فالجسر المجاور للفندق سمي فيما بعد بـ “جسر فيكتوريا”، والمشفى الواقع في حي القصاع ظل اسمه “مشفى فيكتوريا” لعقود، وهو الذي يحمل الآن اسم (مشفى الزهراوي) ولكن هذه الزيارة لم تتم، فالملكة العظمى ماتت قبل موعد الزيارة.

وتتضارب المراجع التاريخية في تحديد هوية الشخص الذي قام بتشيد هذا الفندق، حيث تقول إحدى الروايات أن “أحمد عزت العابد” المستشار الخاص للسلطان عبد الحميد الثاني، ووالد أول رئيس للجمهورية السورية محمد علي العابد هو من بناه ومن ثم تملكه “الخواجة بترو”، ورواية اخرى تقول أن “الخواجة بترو” هو صاحب الفكرة من الأساس.

وأقيم فندق فيكتوريا على ضفة نهر بردى مقابل السراي (وزارة الداخلية القديمة)، وكان من أهم الفنادق في ذلك الزمان، فقد جُهز بأحدث معدات الفنادق الأوربية الحديثة.

كان مؤلفاً من طوابق ثلاث، يعلوها سقف هرمي الشكل مبني من القرميد الأحمر، وله “تراس”، أما تصميمه الداخلي فيتميز بأنه من الطرازين الغربي والشرقي، أسقف الغرف مزخرفة وكذلك الأقواس العربية والأعمدة، ونوافذه كثيرة منها ما يصل حتى حدود السقف. وتولى إدارته أشخاص شُهد لهم بطول الباع في إدارة الفنادق الخواجة ندرة الوف وميشيل ساريكاكي.

ويحتوي أرشيف المؤرخين على أسماء مشاهير أقاموا في فندق فيكتوريا، منهم الإمبراطور الألماني غليوم الثاني: جاء إلى دمشق بزيارة رسمية مع زوجته الإمبراطورة “أوغوستا فيكتوريا” يوم الاثنين 7 تشرين الثاني عام 1898م.

– المهندس المعماري الإسباني فرناندو دا أراندا الذي وصل إلى دمشق سنة 1902 قادماً من اسطنبول، وفي دمشق تعرف على زوجته زنوبيا سيريكاكيس، ولهذا المعماري منجزات معمارية كبيرة في دمشق مازالت موجودة حتى يومنا هذا منها بناء محطة الحجاز والقصر العدلي وشارع العابد.

ومنهم الحاكم العسكري العثماني لدمشق جمال باشا الملقب بـ”السفاح” الذي بقي في فندق فيكتوريا طوال إقامته في دمشق.

ومنهم الحاكم العسكري العثماني جمال باشا المرسيني الملقب بـ”الصغير” الذي خلف جمال باشا “السفاح” وبقي فيه حتى شهر أيلول من عام 1918 وكان مقراً للقيادة العسكرية العثمانية طيلة فترة الحرب العالمية الأولى.

والجنرال البريطاني إدموند اللنبي الذي دخل إلى دمشق في 3 تشرين الأول عام 1918 عند دخول القوات الإنكليزية مع الأمير فيصل بن الحسين، فنزل في فندق فيكتوريا، واستدعى إليه قائد الخيالة الأسترالي الجنرال “شوفيل” وطلب منه أن يرسل سيارة لتقل الأمير فيصل إلى فندق فيكتوريا حتى يلتقيان، وكان لورنس العرب هو المترجم في هذا اللقاء.

والفنان شارلي شابلن نزل في هذا الفندق عندما زار دمشق سنة 1931 لافتتاح فيلمه الشهير”أضواء المدينة”. – القيادة البريطانية العسكرية مع دخول الديغوليين إلى دمشق عام 1941م. وانتهت فصول حكاية هذا الفندق قبل 60 عاماً تنفيذاً لقرار المهندس الفرنسي ميشيل إيكوشار، الذي أعاد تنظيم المدينة، وأزيل الفندق كلياً وشيد مكانه عام 1955 بناء إسمنتي يخلو من ذكريات الدمشقيين وأحداث مدينتهم يسمى بناء الحايك.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر