لا تهدموا أسوار العالم

د. ناريمان عامر

يقول نيتشه في كتابه “ما وراء الخير والشر” بلسان يسوع ليهوده “القانون للعبيد، أحبّوا الله كما أحبّه، بوصفي ابناً له: ماذا تخصنا، نحن أبناء الله، الأخلاق؟”.

تستوقف هذه العبارة أي قارئ يقوده شغف المعرفة لاستجلاء معاني مفرداتها والكشف عن مآلاتها: “القانون”، “العبيد”، “الله”، “أبناء الله”،”الحب”، “الأخلاق”، “نحن”..

ماهو القانون؟ من هم العبيد؟ ماذا يعني بالله وأبناء الله؟ ما الحب؟ من نحن؟ ماهي الأخلاق التي يتحدث عنها؟ ستغدو الاجابات المحتملة عن كل مما سبق هويات ثقافية متجاورة، أو ربما نجد إجابات فردية تنم عن بصماتٍ جديدة في عالم الفكر الإنساني. وبكلماتٍ أبسط؛ من الإجابات يمكن للعارف أن يميز بين اليميني واليساري، المتدين واللاديني، من المتدينين المسيحي دون سواه، يميّز المحافظ من المتحرر، الجمعي من الفردي، المحب والكاره. وبجهد أكبر تبرز هويات سياسية اقتصادية فقد يمكننا تمييز الليبرالي والليبرالي الجديد والاشتراكي والأممي..

كل تلك التمييزات التي قد نصل إليها تدعى إيديولوجيا الفرد، فالايديولوجيا بتعريفها الأبسط كما وصلت إلينا من كتب الثقافة الوطنية هي جملة الآراء والأفكار والمعتقدات التي يحملها شخص ما وتشكل نظّاراته إلى العالم، فتحدد مساره.

ربما تبدو كلمة نظّارة غريبةً نوعاً ما في هذا السياق، لكنها الأنسب للدلالة على المقصود، تخيّل معي أنك تضع نظارة وردية؛ فإنك حتماً سترى العالم وردياً ولو كانت سماوية ستراه سماوياً، لو كانت بلون الفرح سترى العالم فرحاً، ولو كانت بلون الكآبة ستراه كئيباً.. كذلك تفعل معتقداتك، تشكّل عدساتك التي ترى بها العالم فيأخذ العالم لونها.. وتسير على هديها. لهذه النظارة تاريخ كما كل شيء تقريباً:

 لقد ولدت منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان الأول يميز ما بين الشيء الطبيعي المنتمي إلى الطبيعة، وما بين الشيء الإنساني الذي ابتكره هو بنفسه، الأشياء الطبيعية والانسجام مع قوانين الطبيعة لا تحتاج إلى نظارة فالعالم هو ما يصل إليه نظر إنسان ذاك الوقت مع بضعة كيلومترات محيطة، والأعمال مقسمة كما هي مقسمة في مملكة الحيوانات لكلٍ عمله الذي يأخذ قيمته من درجة الإنجاز، لكن الكوارث الطبيعية والأخطار المحيطة بالتجمعات البشرية الأولى واللقاء اللاحق بين مجموعات البشر دفع البشر المعنيين بالتخطيط والتفكير إلى تطوير سردياتهم عن ضرورة تسوير أماكن التجمع “عالمهم” مادياً ببناء الحصون، ومعنوياً بتكريس الوضع القائم على تقسيم العمل، وهنا انبثق العرف الاجتماعي الشكل البدائي للنظارة – التي نتحدث عنها – وتميّزت طبقة العارفين التي تحدد لون عدساتها. لقد كان العرف السائد في كل تجمع هو مصدر الحقائق للجميع، وقد استعان العارفون بالآلهة ليمتّنوا الأسوار المبنية حول الوجود وليحيطوا ما ارتأوه بالقدسية التي تمنع تجاوزه بالتلويح بعقاب الآلهة، لكن ومع تصاعد شهوة السلطة والتوسع لدى الإنسان، سرعان ما دُكّت الحصون، والحدث الأهم هنا المواجهة التي حصلت بين الأعراف والسرديات المختلفة،  فمثلاً الرأي القائل أن الألهة خُلقت في الأرض كما قال اليونان، لا يشبه الرأي القائل أن الألهة خَلقت الأرض كما قال معتنقو الديانات التوحيدية، والآلهة التي تتشبه بالبشر وصفاتهم هي غير الإله المنزه عن الصفات. وكذلك القوانين التي احتاجتها المدن حين تشكلها بدت مختلفة بين شرقٍ وغرب، بين حضارةٍ وأخرى، تلك المواجهة أدت بعد زمنٍ غير قليل إلى المواجهة بين التفلسف والدين، بين عقل الإنسان الخالق وخالق العقل، والتي أفضت إلى مصالحة بينهما في روما الامبراطورية العظمى التي اعتنقت المسيحية في نهاية صراعٍ طويل، وأفضت بعد حين إلى غلبة الدين على التفلسف كما في الحضارة الإسلامية، لكن تطور النوع البشري لم يكن ليسمح بثبات الحال، فمع ازدهار العلوم ظن الإنسان أنه وصل لنهاية العالم وأحاطه معرفةً وعندما تلمس الإنسان مقدرته السيطرة على الطبيعة، وقدّر أن أسوار العالم تلك كانت وهماً لرد الخوف وتكريس السلطة؛ بدأ يتملل من القداسة التي طالما زعمت أنها تحميه من غضب السماء، وبسبب إيمانه بقدرة عقله على رد الكوارث وبسبب صعود طبقات طموحة وجدت في سلطة رجال الدين عائقاً؛ كُسرت النظارة التي تحكم علاقة السماء بالأرض لصالح أخرى تتفحص علاقة الأرضيين ببعضهم، واسُتبدلت حصون المدن بحدود الدول الناشئة، دفعت البشرية ثمناً يقدر بالحرب العالمية الأولى في سبيل ترسيم هذه الحدود، ودفعت ثمناً آخر هو الحرب العالمية الثانية في سبيل تكريس هوية وطنية قومية لهذه الحدود. وبعد أن فُصِّلت نظارات تناسب القوانين الوضعيّة الناظمة لعلاقات البشر في تلك الدول تآلف المتفق منها وتنافر المختلف، نشبت حرب جديدة دعيت الحرب الباردة بين معسكريين اختزلا التآلف والتنافر، المعسكر الاشتراكي والمعسكر الامبريالي كصيغتين بارزتين لخلاصة سعي الإنسان لنظم عالمه، انتهت بفوز المعسكر الثاني مع محاولة تعميم نظارته على العالم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التاريخ السابق الذكر للنظارت هو تاريخها في الحضارات الصاعدة والمتتسيدة في الجزء الشمالي الغربي من الوجود الإنساني، وبذلك لا بد من القول أن باقي الحضارات حافظت على نظارتها بنسب متفاوتة وأدخلت تعديلات على عدساتها بما يتناسب مع وضعها، وهكذا لم يكد عصر الانترنت والتواصل الاجتماعي يبدأ حتى وجد البشر – كأفراد وكمجموعات – أنفسهم أمام العالم مؤطراً على شاشة الكمبيوتر أو الهاتف النقال، محمولاً على تشكيلةٍ غير منتهية من النظارات، هذا ما دفع العديد من المفكرين بإطلاق فكرة موت الايديولوجيا، فأمام هذا الانكشاف وبعد أن أصبح العالم قريةً كونية على شاشة محمول، لم يعد الانسان بحاجة النظارات، لكن وعلى ما يبدو أن الأمر لم ينته هنا، فكما هو النظر إلى الشمس مباشرةً مُبهر ومُعمٍ كذلك هو الأمر حين النظر إلى العالم دون أسوار، دون نظارات، إن هذا التنوع الهائل من الأفكار والنظريات والمنظومات الدينية والسياسية والاقتصادية يلفظ العالم إلى العمه، إلى الفوضى، إلى السير على غير هدى، حتى الآن لايزال العديد من البشر متمسكاً بنظارته القديمة فيمكننا تصنيف مجتمع بوصفه دينياً وآخر بوصفه علمانياً وغيره بوصفه ليبرالياً وذاك استبدادياً.. الأمر الذي يتيح للآخر التوافق أو التنافر معه وبالتالي أخذ موقف ايديولوجي والتمسك بنظاراته بنسب متفاوتة.. لكن ماذا لو كسر كل البشر نظاراتهم؟!.

الإنسان يجد معناه في الجماعة، والجماعة لا تصبح كذلك إلا حين تسورها حدود ما، والتطور الفردي والجمعي يحتاج إلى تحديد مسار فلا غنى إذاً عن الايديوجيا، وربما تكون فكرة موتها لحظة احتاجها الإنسان ليتجاوز ذاته، لكنه سيكون بحاجة لصنع نظاراتٍ جديدة، وتمتين أسوار عالمه من جديد.

لذلك تريث قليلاً وأنت تدعو لسحق النظارات، لهدم جدران العالم..

ملاحظة: العبارة التي وردت في بداية المقال هي لاختبار حدة نظرك.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر