أدب بين الركام

ثمة منتدى على فيسبوك اسمه (منتدى القصة القصيرة جداً) أطلق مؤخراً «جائزة لأفضل ق. ق . ج»، وكانت القصة الأولى التي حازت الجائزة، هي هذه: «سجنتها التقاليد فحررها العلم».

منتدى آخر، أسمى نفسه «منتدى الومضة المتدحرجة»، اشترط على منتسبيه أن «يلتزموا بكتابة ومضة متدحرجة»، وإذا كان من اليسير معرفة ما تعنيه ومضة، فيبقى غامضاً كيف لأحدنا أن يدحرج ومضته، وفي أي اتجاه؟.

منتدى ثالث أكد على أعضائه أن يسهموا بنصوص «لا يتجاوز عدد كلماتها العشرين، شريطة أن تنطوي على مفارقة مدهشة»، ولكم أن تتخيلوا حجم الكوميديا الناجمة عن التقيد بهذا الشرط.

ويبدو أن البعض جاء إلى العالم الجديد حاملاً (التزامه) على ظهره، فقد اشترط منتدى أدبي على مرتاديه أن يكتبوا نصوصاً «تحمل قضية ذات محتوى قومي»، ولم يتأخر كثيرون في الاستجابة، فانهالت النصوص بقضاياها القومية، وكان أكثرها حيازة على الإعجاب هو هذا: «حلم بتحرير فلسطين فاحتلوا العراق».

تكثر، في العالم الافتراضي، النصوص التي تتمسح بالأدب من دون أن تتوافر على أي من مقوماته، كما يكثر من يسمون نصوصهم بـ (الكتابة الجديدة)، معولين على عامل وحيد هو امتلاكهم، هم أنفسهم، أسماء جديدة (أكثرها مستعار).. كليشات مكرورة، ومفارقات ساذجة، وعبارات أقرب إلى نكات المقاهي تطوبها (لايكات) المجاملين كـ (أدب ما بعد حداثي).

غير أن هذا كله هو جزء من المشهد وحسب، فمقابل هذه الرداءة الموصوفة هناك الكثير من النماذج المشرقة. مدونات ومنتديات وصفحات (فيسبوكية) كثيرة تقدم نصوصاً جريئة تنطوي على رغبة في ارتياد أراض بكر، واستشراف آفاق جديدة.. شباب وشابات بأسماء مغمورة، ينحتون مفرداتهم الخاصة، ويبتكرون صوراً طازجة، ممزقين وصايا الأسلاف ومتحللين من أعباء تركتهم الثقيلة. ثمة لغة مرحة خالية من

التجهم، وأفكار متحررة من آثار الأيديولوجيا المفسدة، وثمة استدعاء ذكي لتفاصيل كثيرة ظلت طويلاً قابعة في الهامش المقموع. وكذلك هناك ميل إلى التكثيف والاستغناء عن اللغو والحشو وكل ما لا يلزم..

ربما لا تتيح لنا (النماذج الواعدة) أن نتحدث عن كتابة جديدة مكتملة المعالم، ولكننا نستطيع المراهنة على حساسية جديدة، وبذور ذائقة مختلفة قيد التشكل، ورغبة جامحة في تجديد الموضوعات والرؤى.. وهي أشياء يجب على الكتّاب المحترفين، إذا أرادوا لنتاجاتهم أن تبقى على قيد الحياة، أن يلتقطوا دلالاتها، ويرصدوا اتجاهاتها، ويسعوا إلى مواكبتها.

عندما كتب إيتالو كالفينو مؤكداً على الخفة، والسرعة، والدقة، والوضوح، والتعددية.. كـ «وصايا للألفية الجديدة»، فقد كان يدرك أي متغيرات كاسحة يحملها فجر الألفية الجديدة، وأي عالم صاخب، مشرع على التغيير الدائب، سوف نحيا في كنفه.

وهذا هو السؤال المطروح اليوم علينا جميعاً: أن نواكب العصر مجددين أدواتنا وأفكارنا ومقولاتنا، أو أن نبقى على هامشه، مرتضين لأنفسنا دور (الندابة)؟.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر