أليسار بدور نزلت إلى الساحة.. 22 رجلاً غاضباً يطيعون امرأة

عزام عبد المجيد علي

امتلكت أليسار بدور حلماً غريباً، وعندما كانت تواجَه بالسؤال الذي يُجلد به الأطفال منذ الأزل (ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟)، فقد كان لديها إجابة واحدة حاسمة: لاعبة كرة قدم. 

“إنها نزوة أطفال، أو ربما هو إعجاب فتاة بأبيها الذي يحترف كرة القدم كحكم دولي.. وسرعان ما ستُنِضج الأنوثة هذا العقل الغض، وتصوب الأحلام وتضع الإعجاب في سياقه الصحيح”. هكذا حاول الأهل أن يطردوا شبح هذا الحلم “الرجالي” الذي لا يليق بفتاة، ولكن الأيام لم تزد الحلم إلا عناداً، وما بدا نزوة اتضح أنه خيار وجودي صلب.

ولأن البلاد ضيقة على أحلام أطفالها، فقد أراد الأب أن يخادع قدر ابنته: ألعاب القوى بدلاً من كرة القدم. لكن الحرب سرعان ما أبطلت هذه الخدعة، إذ عطلت القوى وألعابها، فيما الفتاة تزداد تشبثاً بحلمها الذي ولد معها.. هكذا تم التوصل إلى هذا القرار: أن تحترف أليسار الجري في ملاعب كرة القدم، أن تركض  بين اللاعبين، وربما أسرع منهم.. لكن شريطة ألا تلمس الكرة أبدأ. باختصار: أن تغدو حكماً.

عبر هذا الطريق المتعرج وصلت أليسار بدور لأن تكون أول امرأة حكم ساحة في سوريا (وثاني حكم راية بعد ربى زرقة).

وُلدت أليسار بدور في طرطوس، وهي اليوم طالبة في كلية الهندسة التقنية (السنة الثالثة). تقول: “كانت انطلاقتي بتحكيم مباريات اللاعبين الكبار والقدامى عندما يجتمعون للعب كرة القدم، وبعد التدرج بالفئات وصلت إلى الدرجة الأولى وبدأت بعملي كحكم راية، ومنذ ثلاث سنوات تقريباً بدأت بالاختصاص حتى أصبحت حكم ساحة”.

ولكن كيف ينظر المجتمع إلى شابة تحمل راية أو صفارة وتجري بين الرجال؟

“كنت أعاني في البدايات. عندما أرفع راية عن خطأ أو تسلل، وحتى لو كانت راية صحيحة، كنت اسمع صياحاً عالياً بجملة واحدة: هي بنت شو بيفهمها. وكانت الأمور تصل إلى الحد الذي أفكر فيه بالتوقف عن التحكيم، ولكن بعد فترة تأقلمت مع الحالة وأصبح النقد بشكل عام أخف”. 

حكّمت أليسار مباريات في طرطوس ودمشق وحلب، وشيئاً فشيئاً صار الجمهور أكثر تفهماً، وكذلك اللاعبون “يأتي اللاعب ويكون في قمة غضبه، ولكن عندما يتذكر أنه أمام فتاة يستدرك الموقف ويوجه كلامه بكل هدوء واحترام”.

ومع ذلك فالصعوبات قائمة، وهي تواجه الحكم سواء كان رجلاً أم امرأة “تحكيم مباراة عالمية أسهل من تحكيم مباراة في الدوري السوري، لأن الحكم هنا لا يمتلك الحرية المطلقة في قراره، إذ يتم فرض بعض القرارات عليه وهذا ما يجعل المهمة أصعب، بالإضافة إلى صعوبة الدوري السوري وعدم الانضباط في المدرجات وفي أرض الملعب”.

اكتشفت أليسار أنها لم تكن وحيدة في حلمها، والأهم اكتشفت أنها صارت قدوة “تواصل معي عدد كبير من الفتيات لسؤالي إن كان بإمكانهن الدخول إلى مجال التحكيم أو إلى كرة القدم الأنثوية، وقد أكدن لي بأنهن أحبّبن ذلك تأثراً  بتجربتي، ولا أنكر أن هذا يسبب لي سعادة كبيرة ويمنحني الدافع، وفي الوقت نفسه يزيد المسؤولية على عاتقي”.

وختمت أليسار “أنصح كل فتاة تريد الدخول إلى هذا المجال أن تهتم بلياقتها البدنية، ولكن الأهم والأصعب أن لا تستمع إلى كلام المجتمع، ولا تضعف أمام نظرة الاستهجان.. إذا امتلكت حلماً فعليك أن تكوني أهلاً له. وتذكري أن الغريب اليوم سيغدو مألوفاً.. بل سائداً غداً”. 

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر