عن ليرة الناس التي تعبت كالناس

زينة شهلا

لم يعد من شيء مثل الليرة، ولا حتى الليرة نفسها، فلطالما وصفنا رجلاً تعافى من مرض، أو علاقة ترممت بين زوجين، أو جهازاً عاد من الصيانة، بأنه “متل الليرة” فيما نحن نقصد أنه جيد ولامع ومتين، ومتى ما فقدت الليرة قيمتها كليرة، فقد فقدت تلقائياً معناها كرمز، وتبدلت دلالتها اللغوية بتبدل قيمتها الفعلية.

ففيما مضى لو أرادت امرأة أن تقنع ابنة اخيها بعريس، كانت تصفه بانه يتكلم كمن يعدّ ليرات، ثقيل ومليء وكلامه ثمين ومحسوب. ولو بشّ رجل بوجه جاره أو ابنه في الصباح لرد تحية الصباح قائلاً: “يا صباح الخيرات والليرات”.

اليوم، ما زال في الحياة بعض الخيرات، لكنها لا يجوز ان ترتبط بالليرات، لأنها صارت بلا قيمة وبلا بركة،

ولو أردنا إرسال تهنئة لصديق بحلول عيد أو سنة جديدة، قد نقف محتارين بين أمنيات بالصحة والعافية، وأخرى بأن ترسل له الأقدار الكثير من “الليرات”، فالأولى هي حلم كثيرين، والثانية باتت مبتغىَ صعب المنال.

اليوم، وقد عبرت الاعياد أيامنا بثقلٍ وببهجة خجولة، ودون ان ينتظرها أحد، تعود الليرة وتقلباتها لتصبح الهم الأكبر للسوريين أينما كانوا داخل جغرافيا الوطن الكبير. وبالتوازي مع تحليلات وأرقام ومنحنيات بيانية تحكي الكثير عن رحلة تحولات العملة السورية عبر السنوات الثمانية الماضية ووصولها “للشيخوخة”، ترسم تلك الرحلة ذاتها آثارها بعمق على كافة تفاصيل حياتنا اليومية.

كان زمان

في أيلول 2011 السنة الاولى من الحرب، كانت العملة السورية ما تزال محافظة على نفسها، حيث لم تنخفض قيمتها حينذاك بعد عن الخمسين ليرة مقابل الدولار، وكان لا يزال من المنطقي أن يجيب أي سوري عن سؤال “كيفك اليوم؟” بعبارة “متل الليرة”، أي أن حاله اليوم كحال الليرة، ثابت راسخ صامد لا يعير تقلّبات الزمن أي بال. اعتادت حينها العائلة من الطبقة الوسطى على ادخار مبلغ قد يقارب خمسين ألف ليرة، أي حوالي ألف دولار أمريكي بسعر الصرف آنذاك، لمستلزمات شهر أيلول، وكان المبلغ كافياً بشكل جيد لتأمين مونة المكدوس وشراء مستلزمات المدارس والاستعداد لبرد الشتاء بتخزين برميلين من المازوت.

بمرور سنوات الحرب، تراجعت الليرة أيلولاً بعد آخر، ففي عام 2012، كان سعر 67 ليرة للدولار القفزة الأولى المخيفة وقتها السخيفة اليوم، لأنه في أيلول 2013 أصبح 200.، وظل في العام التالي 2014متوازناً، وتأرجحه مقبول، فوصل في أيلول من ذاك العام إلى 170. لكنه ومنذ العام 2015 بدأ التراجع الكبير والذي ما عاد منه مهرب أو رجعة، وصولاً لحوالي 610 ليرة مقابل الدولار في شهر أيلول هذا العام. الانخفاض الكبير الذي ترافق بارتفاع أسعار كافة المواد لعشرة أضعاف على الأقل، وعدم حصول زيادة موافقة في دخل معظم العائلات السورية، كانت له نتائج كارثية إن صح الوصف. ذات العائلة من الطبقة الوسطى لم تعد اليوم قادرة على ادخار المبلغ نفسه، أي ألف دولار أمريكي، لتحضيرات شهر أيلول. بإمكانها ربما ادخار خمسين ألف ليرة سورية، والتي باتت اليوم مساوية لثمانين دولار، وهي على الأغلب لن تكفي لنصف واحدة من ميمات الشهر، مع إلغاء معظم الاحتياجات، والاقتصار على الضروريات الأشد الحاحاً. هذا طبعاً إن افترضنا بقاء العائلة من ضمن الطبقة الوسطى، التي تضاءلت إلى ما دون 15 بالمئة من سكان سوريا مقارنة بحوالي 60 بالمئة من مجموع السوريين قبل الحرب وذلك وفق أرقام مركز دمشق للأبحاث والدراسات “مداد”.

الجمل بليرة وما معنا ليرة

الكثير من الأرقام؟ لنعد بالزمن بضعة أيام فقط ولنقم بزيارة صغيرة لسوق البزورية وسط دمشق لنعرف أكثر عن معنى كل ذلك باستخدام العين المجردة. معظم المحال فارغة رغم وجود الكثير من المارّة. “مين بدو يشتري؟”، يقول أحد باعة التوابل والمواد الغذائية. “لك حتى اللي بيدخل، بيطلب ربع وقية من شي نوع بهارات، و50 غرام جوز أو لوز، وبيفاصل لحتى ياخدهم بسعر أقل”. بائع آخر يفضّل القدوم بعد الظهر، فلا حركة تتطلب أن يفتح محله منذ الصباح الباكر. بائع ثالث يتجادل مع امرأة تطلب منه بضع ذرّات إضافية من الفلفل الأسود مجاناً، ورابع يفضّل أن يكون كريماً دون طلب، فيضع لإحدى السيدات حبتين من الجوز كهدية مع كيس التوابل الصغير الذي اشترته.

“الأسعار نار”، يتفاجأ الجميع، ويحزنون. وحده (العرجاوي) بائع الزعتر الشهير وسط شارع مدحت باشا يشهد الازدحام المعتاد. كيلو الزعتر 1400 ليرة. “نحنا ما غلّينا عشر أضعاف متل الباقي لحتى ما نخسر زبائننا”، يقول صاحب المحل بفخر.

وكحال الأسعار، وكحال السوريين الذين ملأت التجاعيد وجوه معظمهم على مدار سنوات “الأزمة” الثمانية، هرمت حتى عبارات “المعايدة” التي اعتادوا تبادلها بحلول مختلف المناسبات، والتي تغيرت بتغير الأحوال الميدانية والاقتصادية في البلاد. لا حاجة لقوّة ملاحظة لمعرفة ذلك، إذ يكفي المرور بأحد الشوارع أو الأسواق، والإنصات بتأنٍ لأحاديث وهمسات الناس.

الليرة السورية اليوم في أضعف حالاتها. “ميمات أيلول بليرة، وما معنا ليرة”. ولا نملك سوى أن نتمنى عاماً جيداً لطلابنا وشتاء كريماً لأرضنا، وحالاً أفضل لليرة وللسوريين في كل بقاع الأرض.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر