تمّ الأمر يمكنك المجيء الآن

براءة الطرن

أنزل الدرج كبطل الجريمة والعقاب، أشعر مثله بالضيق، الحرج، والجبن أحياناً، فيما أتحاشى جارتي في الطابق الأسفل، مع أني لا أدين لها بأجرة المنزل، لم أقترض منها مالاً، مدقّة ثوم، مفتاح غاز أو ملعقة.

جارتي عاطلة عن العمل، زوجت أبناءها في المهجر، وقررت ممارسة ما تبقى من أمومتها علي، أنا الصامدة في أرض الوطن، المصيبة أن ما تبقى من هذه الأمومة كان القسم الذي نتحاشاه في أمهاتنا البيولوجيات، قسم النق والمقارنات التي لا تنتهي.

كلما صادفتني، وهذه حالة تتناسب عكساً مع نجاحي في الهرب والتملص، سألتني عن دراستي، متى أتخرج؟، هل وجدت عملاً؟، ما طبيعته؟، كم أقبض؟، ماذا أفعل في وقت فراغي؟، متى سأتزوج؟..الخ من أسئلة لا تعد ولا تحصى تنهيها دوماً بجمل مثل “لو تعلمين كم تقبض فلانة” “فلانة ناجحة جداً” “ليتك مثل فلانة” مع نظرات تبدو مشفقة أحياناً، وساخرة دائماً.

الأسبوع الماضي تقصدت إثارة ضجة أثناء خروجي من المنزل، هبطت السلم كالفيل، أخبط قدمي لأحفز فضولها لمصادفتي، وجاءت فعلاً تحمل ديباجتها المعتادة، باغتها مع ابتسامة النصر: “سأكتب في الجريدة” ردت “ماذا ستكتبين؟”، أجبت بهدوء ورصانة المعري، وهو يمنحها “رسالة غفران”: “نصوص”.

تركتها ومضيت في طريقي دون أن تفارقني لذة تحولي لمثال تطبيقي على مسطرة جارتي، فهي اعتباراً من اليوم ستجعلني نموذجها وتمارس أمومتها على بنات الجيران، وتقول لهن “براءة تكتب في الجريدة، ليتكنّ مثلها” فيكاد الغيظ يقتلهن، كما كاد يقتلني قبلهن.

منذ أخبرتها وهي تدق بابنا كل صباح، تسألني “عندك جريدة” فأنفش ريشي كطاووس في موسم تزاوج، وأقول “لسا العدد ما نزل”، كنت أنسب لأميّتها ضياع لام التعريف من جريدة طلبها، وكونها لا تفرق بين أي جريدة فاشلة، والجريدة التي سأكتب بها.

خمسة أيام وهي تدق بابنا، تعيد السؤال، وأعيد الجواب، لا تمل، ولا أمل، على العكس فأنا أعتبرها أول قرائي، تنتظر “نصوصي” بفارغ الصبر، أو هكذا ظننت قبل أن تصفعني اليوم:

ـ عندك جريدة؟

ـ لسا العدد ما نزل.

ـ يحرق أخت هالعدد الما بقى يعرف ينزل، وانا شو بدي حط تحت قطارميز المكدوس؟

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر