كبرياء جائع

كنا وحيدين في المقهى الصغير، وبعد ساعة من الأحاديث المتقافزة، أدركنا أننا عبثاً نحاول الهرب، فشرعنا في أحاديث الحرب.

حدثني عن امرأة كانت جارة له طيلة السنة الثالثة من هذه الحرب، أرملة ثلاثينية مات زوجها في معركة لم يخضها، برصاصة لا تعرفه، مخلفاً لها ثلاثة أبناء وديوناً مستحيلة التسديد.

كانت تعمل في خدمة البيوت، فتخرج عند مطلع الفجر لتعود قبيل هبوط الليل، حاملة ربطة خبز وكيساً صغيراً تتناوب عليه أقراص فلافل وحفنات زيتون وقطع جبن. كان غمٌ بلا حدود يسكن عينيها، وكانت ثياب أولادها وأجسادهم عابقة على الدوام برائحة الفقر. ومع ذلك فقد امتلكت كبرياء عنيداً جعلها تدخل في متاهة من الأكاذيب الصغيرة الساذجة، وترتجل قصصاً لا يصدقها أحد عن حوالات وهمية وأقارب لا وجود لهم.. كل ذلك كي تعفي نفسها من قبول أي مساعدة، بل أي نظرة إشفاق..

في أحد الصباحات، استفاق على أصوات في بيت جارته. كان الطفل يبكي ويصرخ في أمه مذكراً إياها بوعدها: أن تسلق له بيضة يوم الجمعة واليوم هو يوم الجمعة، وكانت هي تحلف له أنها، بعد يومين أو ثلاثة، ستحضر له صحناً كاملاً من البيض، ولكن الطفل غير المقتنع راح يضرب الجدار بقبضتيه محولاً بكاءه إلى عويل، إلى أن هدأته أخيراً بجملة غير مسموعة بدا مفعولها سحرياً..

قال الصديق في المقهى، إنه عندما سمع صوت بابها يفتح وخطواتها تقترب، تمنى أن لا تطرق بابه، أو على الأقل أن تجترح هذه المرة كذبة جديرة بالتصديق وكفيلة بحماية كبريائها.. أقسم الصديق أن طرقاتها على بابه كانت أشبه بضربات مطرقة تحطم قلبه.

في قصة قصيرة عن المانيا بُعيد الحرب العالمية الثانية، تصحو الزوجة على صوت ارتطام في مطبخها. ترتجل سلاحاً ما وتنسل خارج غرفة النوم، وعندما تشعل الضوء تفاجأ بزوجها الذي وقف كغزال مذعور داهمته أضواء سيارة مبهرة. كان فتات الخبز لا يزال عالقاً في شفتيه وعلى حواف المائدة. متلعثماً يعتذر عن إزعاجها زاعماً أنه جاء ليطمئن بعد أن سمع صوتاً مريباً. وسط ذهولها تنتزع ابتسامة تعاطف وتهز رأسها موحية أنها تصدقه. وفي السرير وبينما غط هو في النوم جلست هي لتبكي حتى الصباح، فطيلة الثلاثين سنة هي عمر زواجهما لم يخطر في بالها قط أن زوجها المهيب الصلب يمكن أن تجره معدته إلى هذه المهانة.

في اليوم التالي، وعندما حان موعد الوجبة الوحيدة، أعطته ثلاث قطع من الخبز واكتفت بواحدة، مقسمة أنها لا تحس بالجوع، كان يعرف أنها تكذب وكانت تعرف أنه يعرف، ولكن كان لا بد من هذا التواطؤ كي يحفظ الزوج الجائع ماء وجهه ويخفف من شعوره بالذنب إذ كان يأكل خبز شريكته.

تسببت الحرب، في المانيا وفي غيرها، بالكثير من الأهوال والفظائع: مدن مدمرة، مجازر، محارق.. ما يجعل قصة الزوجين نوعاً من الترف، ومع ذلك فقد قال نقاد وقراء وكتاب كثر إنها، من بين كل حكايا الحرب، الأكثر إثارة للوجع.

ذلك أن أهوال الحرب تحطم القلوب وربما العقول، لكن الفقر يحطم الكبرياء، وهو أمر لا يغفره الناس للحياة.. ولا لأنفسهم.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر