ابن عطاء.. الشيخ الحنبلي الذي دافع عن الحلّاج وأُعدم مثله

هرجٌ ومرجٌ، بغداد تترقّب، وكلّ من عرفه كان يترقّب، بين خوف مما سيكون أو فضول إليه، الرجل نطق بكلامٍ ظاهره الكُفر، ورغم ذلك التفَّ حوله الأنصار والأتباع، والوشايات تقول إنه تحالف مع القرامطة المتمرّدين على الدولة… سيُعدم الحلّاج لا محالة.

في هذه الظروف، برز اسم الحنبلي أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمي البغدادي، الملقّب بـ”ابن عطاء” (تـ309 هـ – 922م)، أحد كبار المفسّرين الصوفيّين الأوائل للقرآن في بغداد، والشخصيّة الصوفيّة القياديّة هناك، فقد قرر أن يساند الحلّاج (تـ309هـ – 922م)، فدفع الثمن غالياً وأُعدم كما أُعدم الحلّاج، وأهين في آخر عمره وكان قد تجاوز السبعين.

كان للحنابلة (أتباع الإمام أحمد بن حنبل) دور كبير في تكفير الحلّاج، حسبما تخبرنا المصادر، فما هي ملامح حياة الرجل الحنبلي الذي ساند الحلّاج ووقف في وجه الخليفة العباسي المقتدر (تـ320هـ – 932م) الذي كان في عنفوان شبابه وحماسته، وفي وجه الوزير الداهية حامد بن العبّاس (311هـ – 923م)؟ وما ملابسات إعدامه؟

تتبع المقالة قصة ابن عطاء، بالاعتماد على مادة البروفيسور Martin Nguyen، في موسوعة الإسلام،التي قدّم خلالها سيرة تعريفيّة لابن عطاء.

حنبليٌّ ثريٌّ يختم القرآن مرّة كلّ يوم
يقدّر المستشرق لويس ماسينيون أن ابن عطاء ولد في حوالي 235هـ – 849م أو 850م، وتشكّلت معارفه من خلال المدرسة الحنبليّة الفقهيّة التي تعطي تقديراً كبيراً لعلم الحديث، وتلقّى معارفه من تلامذة الإمام أحمد بن حنبل (تـ241هـ – 855م) المباشرين، الذين ربطتهم به صلةٌ وثيقةٌ، ومنهم الفقيه البغدادي فضل بن زياد (تـ253هـ – 869م)، ويوسف بن موسى القطان (تـ253هـ – 867م)، حسبما جاء في “صفة الصفوة” للجوزي.

دخل ابن عطاء دنيا الزهد من باب الحنابلة، ونال شعبيّةً في بغداد طيلة حياته، ولكن في وقتٍ لاحقٍ درس على يد اثنين من أبرز متصوّفة بغداد، وهما أبو حمزة البغدادي (تـ 269هـ / 882م–3 أو 289هـ/902م)، وهو من تلاميذ ابن حنبل أيضاً، وبعد ذلك على يد إبراهيم المارستاني.

يشتهر ابن عطاء بتفسيره الصوفي للقرآن، وقيل إنه كان يقرأ القرآن كاملاً كلّ يوم، و3 مرّات يوميّاً خلال شهر رمضان، وفقاً لتلميذه ابن حبيش (تـ 359هـ – 970م)، الذي أكّد أنه مات قبل أن يُكمل تفسيره للقرآن، حسبما جاء في “سير أعلام النبلاء” للذهبي. ومع ذلك أنتج ابن عطاء مؤلّفه “كتاب في فهم القرآن”. لم يصلنا تفسير ابن عطاء بالكامل، ولكن احتُفظ بالكثير من مقاطعه في كتابي “حقائق التفسير” و”زيادات في حقائق التفسير” للصوفي المولود في نيسابور أبي عبد الرحمن السلمي (تـ 412هـ – 1021م)، أو ما يعرفا باسم “تفسير السلمي”.

حرّر الباحث العراقي Paul Nwyia جزءاً من تفسير ابن عطاء، بعد أن جمع مقتطفاته المتناثرة في تفسير السلمي، وبعد ذلك قدّم الباحث في التصوّف الإسلامي، المستشرق الألماني ريتشارد جرامليش Richard Gramlich، دراسةً واسعةً لهذه المادّة التفسيريّة، بل وترجمها للألمانيّة. وسجّل المؤرخ والصوفي أبوبكر الكلاباذي (تـ380هـ – 990م) في كتابه “التعرّف لمذهب التصوّف” أن ابن عطاء وضع كتاباً عن “الفناء” ذلك المعنى الصوفي الواسع، بعنوان “عودة الصفات وبدؤها”.

نظّم مسيرةً احتجاجيّةً لدعم الحلّاج، مستغلاً شعبيته وسطلته المعرفية والدينية… قصة ابن عطاء المفسر الصوفي والشيخ الحنبلي

قصة ابن عطاء، أحد كبار المفسّرين الصوفيّين الأوائل للقرآن في بغداد، والشخصيّة الصوفيّة القياديّة هناك… عاند قرار الخليفة وساند الحلّاج، فدفع الثمن غالياً وأُعدم كما أُعدم الحلّاج
فتنة الحلّاج ونهاية ابن عطاء
كان ابن عطاء صديقاً للحلّاج وسانده في محنته وجهر بتأييده وتأييد أفكاره، في الوقت الذي تخلّى فيه صوفيّة بغداد الكبار، مثل الشبلي والجريري، عن صديقهم، وتبعه في ذلك تلميذه الصوفي الشهير ابن خفيف الشيرازي (371هـ – 982م)، الذي زار الحلّاج في محبسه، وحفظ نصوص أستاذه ابن عطاء بعد ذلك.

وهو في السجن قُبيل إعدامه، كتب الحلّاج رسالتين لابن عطاء، حسبما أورد ماسينيون في “أخبار الحلّاج”، بعدها نظّم ابن عطاء محفلاً احتجاجيّاً أو مسيرةً احتجاجيّةً لدعم الحلّاج، مستغلاً شعبيته وسطلته المعرفية والدينية كشيخ حنبلي. تحوّلت المسيرة إلى أعمالِ شغبٍ ضدّ السلطة ومشايخها الحنابلة، وفي الوقت نفسه أنتجت غضباً مضاداً ضدّ ابن عطاء ومن معه، والنتيجة كانت استدعاء ابن عطاء من قبل الوزير حامد بن العبّاس، ليستجوب عما فعله، وكذلك ليُدلي برأيه وشهادته في الحلّاج وأفكاره.

استغلّ ابن عطاء الفرصة ووجّه لحامد انتقاداتٍ علنيةً لاذعةً تخصّ سياساته الماليّة الظالمة والاستغلاليّة للفقراء والمستضعفين، فما كان من الوزير إلا أن أمر بضرب ابن عطاء بحذائه على رأسه، ومن شدّة الضرب توفي ابن عطاء متأثراً بجراحه بعد وقت قصير، بحسب مقالة Martin Ngyuen. ولكن الذهبي ينقل في “سير أعلام النبلاء” عن السلمي نهاية مرعبة، وهي أنّ الوزير حامد أمر بفكِّ أسنان ابن عطاء من فمه عنوة وتركه ينزف، فمات بعدها بـ 14 يوماً.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر