في ذكرى نجيب محفوظ… الذي أحبّ كلما وجد فرصة وخُلق ليكون كاتباً

هل الموهبة وحدها تكفي محركاً لهذا الكم من الإبداع صعب التكرار؟ أم الانضباط المستحوذ على عقل رجل صار موظفاً لدى المواعيد؟ أم الذكاء الاجتماعي؟ أم الظرف التاريخي الذي مهّد لواحدٍ مثل نجيب محفوظ ليكون بين مواهب مصر والعرب الكبرى، منضماً إلى سلسة المعابد والأهرامات المعجزة؟

لعلّ جميع ما سبق من أسباب ارتقت بالأديب المصري الأهم، وصنعت منه أيقونة يتطلع الجميع لالتقاط الصور معها، لا محاورتها، فإرث “محفوظ” الكتابي، كمّاً وكيفاً، لا يمكن تصنيفه باعتباره مجرد مشروع كتابة، بل إنه رصيدٌ يوازي آثار عصر كامل من المبدعين، وفي لقائه، الذي كتبه لي القدر قبل رحيله بعام الكثير من الإجابات لنجاح “محفوظ” كظاهرة كتابة ووجود لا يطالها أي عدم.

ذهبتُ إليه هناك منتشياً بطاقة اختبار النفس.

نحن في عام 2005

المكان: بهو مغلق بفندق شهير على نيل القاهرة..

جلسنا حلقةً حول نجيب محفوظ، وهو الكاره لأي مُغلق، لكنه اضطر لقبول تعليمات الأمن لحمايته من سكين آخر في يد مخبول ربما يأتي من المجهول… هناك كُتب لنا أن نحيا دقائق مع جسده الذي يشبه سيجارة محترقة وذهنه المخبوز في الشمس.

لم يكن هناك الكثير ليقوله، ولم أعرف بالتحديد ما الذي دفعني للتمسك بحضور اللقاء بإلحاح طفل مع زميلتي التي اقتنصت الموعد الاستثنائي لإجراء حوار معه، نعلم جميعاً أنه لن يكون حواراً بالمعنى المتعارف عليه، فقد وصلنا متأخرين قبل أن يرحل “محفوظ” بعام واحد تقريباً… وقتها كان “نجيب” قد انتهى ولم يعد لديه أقوالٌ أخرى… لكن هل أستطيع أن أتحلى بأي قدر من الوقار والزُّهد إزاء هذه الفرصة التي سُمح لي بها؟!

“خُذوني معكم.. وأعدكم: سأجلس كالصنم”

قلتُ لمدير المكتب الصحفي ومدير التحرير وزميلتي إنني لن أتكلم أبداً هناك، فقط سأراقبه… وبيني وبين نفسي قلت: “سأراقبني أنا في حضرته…”، دخلنا المكان… كان “نجيب” يجلس على كنبة وبجواره مُلقّنه الذي يوصل الكلام إلى أذنيه العاجزتين عن التقاط موجات حضورنا، ووراء نظارتيه السميكتين تختبئ عيناه، اللتان صوّرتا لنا تفاصيل بحجم الكون في رواياته.

“دي مجرد لعبة”

جلسنا بعد السلام، وتقدّم كل منا باسمه وعمله، فيما بقيتُ صامتاً كما وعدتُ، أتحسس طاقة المكان وطاقة الجالسين ومركز الطاقة الذي يتوسط الجميع، لا يمكنني في هذه اللحظة إلا أن أشعر بقوة الجذب إياها تتعاظم وتتكوم فوق رأسي ومحيطي… “بهذه الطاقة كتب محفوظ بالتأكيد كل ما كابدتُ في قراءته ولذّته”… قلتُ في نفسي سرّاً.

جرت مياه الأسئلة المعتادة، والمُلقّن يقوم بدوره ويرد الرجل بما تيسر له من كلام غليظ النطق، بسبب العجز الذي غزاهُ من كل الجهات، فنراه يزعق أحياناً حين لا يكون الزعيق مطلوباً، فهو لا يسمعنا ولا يسمع ذاته، كما أنه لا يرانا تقريباً إلا كما يرى طفل صغير أشكال المتحركين أمامه، ولا يمثلون وجوداً حقيقياً ملموساً – لا رمزية أبداً فيما أقول هنا ولا إسقاطات-.

ما رأيك في الزوبعة التي أثيرت حول “أولاد حارتنا”؟ أجاب بجدية: “عندهم حق… غيرانين على دينهم”… سؤال آخر: “هل قصدتَ تجسيد الإله والأنبياء في روايتك لتدريب قرّائك على جرأة التلقي؟ “، فأجاب نجيب: “دي مجرد لعبة”.

“كم مرةً أحببت؟”… ردَّ بـ: “كل ما كنت بالاقي فرصة”، وأتبعها بضحكةٍ قصيرةٍ ليُشعرنا بنُكتته… ضحك الجميع فعلاً، وربما مجاملة لـ”محفوظ”، أما أنا فقد كنت أتتبع كل حركة وصوت يصدران عنه، كان غارقاً في “البالطو” الذي يرتديه فوق قميص مقفولة أزراره لنهايتها، وبدا نطقه لمخارج الميم والنون كما لو كان مُصاباً بنزلة برد.

جلستُ أفكر كيف لم يمل أو ييأس أو يتحير من جدوى ما يكتبه؟ إنّ كل الكتاب عرضة للملل وإحساس الإنجاز القاتل… أخبرني كثيرون أنه كان “حشاشاً منضبطاً”، فلسيجارة الحشيش موعد مقدس تماماً كالكتابة.

وفي لحظة صفاء تام وسط الجلسة أراد مدير التحرير، الذي جاء معنا ولم يعِد بصمته، أن يشارك في الحوار ويسأل سؤالاً عميقاً، فسأل متقعراً: “أستاذ نجيب محفوظ! لمن تكتب؟”، وما أن وصل السؤال لأذني نجيب حتى انفعل: “باكتب للناس… جايلي بعد 90 سنة تقولي باكتب لمين؟!”.

ساد صمت الجلسة بعد هذا السؤال الذي احمرَّ وجه صاحبه وانكمش في مقعده ولم نعلم بوجوده بعدها، ولاحظت أن نجيب يسحب بعدها نفساً طويلاً من سيجارته ولا يتركها، لا يريد لها أن تبتعد ولو قليلاً عن أصابعه، فربما تاهت منه فما استطاع المدمن لحبها أن يستعيدها.

لم يرفع خلال الجلسة رأسه إلّا قليلاً، ففي وضع الإطراق هذا يركز فيما يقال، أو يركز في العدم… فرغت أسئلتنا، وتفرقت الجلسة إلى أحاديث مختلفة حتى سأل أحدهم عن تاريخ اليوم فلم يُجب أحد سواه، فيندهش الجالسون وينظر بعضهم إلى بعض كأنما تلقوا نتيجة فشلهم توّاً، وأنهم خرجوا من حيز الزمن، أما هو فمع الزمن لا زال يلعب.

وفي لحظة صفاء وسط الجلسة أراد مدير التحرير، الذي جاء معنا ولم يعِد بصمته، أن يشارك في الحوار ويسأل سؤالاً “عميقاً”: “أستاذ نجيب محفوظ! لمن تكتب؟”، وما أن وصل السؤال لأذني نجيب حتى انفعل: “باكتب للناس… جايلي بعد 90 سنة تقولي باكتب لمين؟!”.

محفوظ كان مدركاً لدوره وطموحه، يعمل كالآلة بجلَد النمل، ويعرف أنه خُلق ليكون كاتباً، لا طموح له في شيء آخر سوى الكتابة، التي بالتأكيد ردّت له الجميل، وكافأته على طاقة عطاء استمرت فوق الـ50 عاماً، تماماً كما يحفر نهر مجراه بتُؤدة على مر السنين

أكثر ما يفسر ظاهرة نجيب محفوظ هو علم الطاقة

إن أكثر ما يفسر ظاهرة نجيب محفوظ هو علم الطاقة، فقد أثبت علم الفيزياء الحديث أن الطاقة هي كل شيء موجود في الكون، وتأخذ أشكالاً مختلفة، شمسية وكيميائية وكهربائية وحركية وتكون لها القدرة على إنتاج نشاط ما، أما الطاقة المعنوية أو الحسية، فهي الطاقة الكونية التي تؤثر على الإنسان والكون فتكون لدى جميع الكائنات وهي مصدر للقوة الدافعة للنفس والعقل..

هذه الطاقة أُعطيها نجيب محفوظ بالتأكيد وبقدر كبير، فتراكمت بداخله وكبرت معه جسداً وروحاً، وتدرّب هو على إنمائها وتغذيتها بكل ما يجعلها خرافية مضيئة قابلة للانبعاث الانفجاري لحظة الكتابة، مركزة كأشعة الليزر، ولعل هذه الطاقة تفسر لنا القدرة المذهلة على ضبط النفس وتحجيمها لتكون عبدة لسيّدها حين يحتاجها في وقت يحدّده هو، فصارت كتبه مواضع سِحْر إذا حللت بها انْسَحَرت، كأنه امتلك معادلات الطاقة وتمكن من تحويلها بداخله بين صورة وأخرى.

فخرجت لنا شخصيات وأحداثاً وأفكاراً وعالماً يتكثّف في وجداننا حتى لتكاد تكون أنت جزءاً من شخصياته، تقمصاً وحلولاً، في ظل غياب شخصية الراوي وذوبانها، فلا تستطيع أن تلمح سيرته الذاتية بين ثنايا أعماله، اللهم إلا حين اعترف أن شخصية “كمال عبد الجواد” في “الثلاثية” تمثل حقيقته، ذلك الحالم الذكي النابغة واسع الخيال غريب المنظر، بكبر الرأس والنحافة وضخامة الأنف، شاب نشأ على الوازع الديني ثم تحول لاكتشاف الخمور وتجربتها، ودخل في أسئلة كثيرة حول أبيه: “هل يخاف أبي الله؟”، فقد إيمانه بمرور الوقت بكل شيء تقريباً، وتفوق على أبيه وأخيه في الخبرة بالنساء والسهر والشرب، لكن دافعه كان مختلفاً، إذ حرّكه لذلك يأس من الحب والحيرة بخصوص الحياة والوجود.

قبل أن يصدر أول جزء بالثلاثية، وهو “بين القصرين”، عام 1956، توقف نجيب عن الكتابة قبلها بمدة تقترب من الخمس سنوات، مترقباً المشهد الذي اعتراه تغيير سياسي كبير بوصول ضباط يوليو لحكم مصر عام 1952 وخروج الملك فاروق إلى منفاه الاختياري بإيطاليا، ولا يمكنني أن أتصور كم طاقة الصبر هذه، التي يُحسد عليه محفوظ بالتأكيد… فأنا أعلم مثلاً أن الحلزون هو أكثر حيوان قادر على إطالة فترة بياته، إذ يمكنه إطفاء الماكينة الحياتية 3 سنوات، فهل يعلم أحد من دارسي علم الحيوان كائناً له القدرة على منافسة محفوظ، الذي تمكن من التخفي بين أدراج مكتبه طول 5 سنوات خلال بدايات حكم يوليو؟

لم يكن بالتأكيد توقفاً تاماً عن الكتابة بل توقف عن النشر، فقد قال نجيب إنه قبل أن يقرر كتابة ملحمة أجيال “احتشد لها” وأنجزها فيما قارب الخمس سنوات، أي أنه كمن في غرفته ليقلب أوجه الحياة السياسية والتغيرات التي طرأت بين عصرين ليحدد كيف سيتعامل مع الحكام الجدد، كما أن عدم تهافته في تقبيل أحذية رجال العرش الجديد جديرة بالتأمل والدهشة، ففي مثل هذه الفترات التصارعية يبادر كثيرون بتلوين أنفسهم وحجز مقاعد لهم على مائدة الحكم، إلّا أن محفوظ كان مدركاً لدوره وطموحه بشكل عجيب، يعمل كالآلة بجلَد النمل، ويعرف أنه خُلق ليكون كاتباً، لا طموح له في شيء آخر سوى الكتابة، التي بالتأكيد ردّت له الجميل، وكافأته على طاقة عطاء استمرت فوق الـ50 عاماً، تماماً كما يحفر نهر مجراه بتُؤدة على مر السنين، فلا ينازعه في ذلك المجرى إلا ذاته، ومع هذا المنجز الضخم تجد صاحبه يقف مطأطئ الرأس مرتدياً بدلة متواضعة الحال ويمشي بين الناس كما لو كان لا شيء… إنه الوجود الطاغي حين تعرف أن بإمكانك اختراق العدم وإعطاءه صفة الخلود.

بعد عام تقريباً من هذا اللقاء، مات محفوظ ولم أمش في جنازته، ربما لكيلا أصدق أنه قد مات.

مصطفى فضل – رصيف 22

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر