أسطورة العذرية عند العرب.. إلى أين يذهب الهوس بشهادة “الشرف”؟

حكم “تاريخي” ينسف “هوس العذرية” بين المجتمعات التي تضع شرف المرأة بين فخذيها، وتُوصِيها دوماً بـ”الحفاظ” على غشاء بكارتها، هكذا وُصف أمر محكمة عليا في بنغلاديش يوم 25 آب بحذف كلمة “بكر” (عذراء) المستخدمة في عقود زواج الغالبية المسلمة منذ عام 1961 والاكتفاء بـ”غير متزوجة”، لاعتبار نشطاء أن في وصف “عذراء”، إهانة وعنصرية.

يذهب الهوس بالعذرية بعيداً بأصحابه (أصحابه لا تعني المرأة هنا بل أولياء أمورها في المجتمعات المحافظة) فلا يهدأ لبعض الأهل بال حتى يعلن الزوج ليلة دخلته على عروسته تمزّق “الغشاء” مع نزف قطرات دم “تُبرّئُها” من أي شكوك. فمن أي رحم ولد هذا الهوس وتغلغل في المخيال الشعبي العربي؟

تُعرِّف الدكتورة والباحثة الأنثروبولوجية المهتمة بالدراسات الجندرية، سوسان جرجس العذرية بمعناها البيولوجي بـ”الحفاظ على غشاء البكارة الذي يعتبر واقعةً فريدة تميّز النساء عن كل الثدييات”، وتعرّفها اجتماعياً بمجموعة قيم متعلقة بها مثل “الشرف والفضيلة والعفّة والالتزام والحياء والخجل”، مشيرةً إلى أن دمج البكارة والشرف يجعل من هذا الغشاء “رأسمالاً غالياً لا يمكن أن يعوّض”.

وتقول جرجس إن الإيديولوجيات الدينية لعبت دوراً مهماً في ترسيخ قيمة البكارة، موضحةً أن في الإسلام، وُعد المسلم بِحور عين “لم يطمثهنّ إنسٌ قبلهم ولا جن”، كما جاء في القرآن الكريم أيضاً: “إنّا أنشأنهنّ إنشاء فجعلناهنّ أبكاراً عُرُباً أتراباً”. أما في المسيحية، فتم تقديم صورة السيدة مريم العذراء كصورة نموذجية، وفقاً لجرجس، وبالتالي تدخل كل إمرأة مخالفة لهذه الصورة “في باب العهر والزنى”.

اللافت استخدام “آليات” للحفاظ على العذرية، من بينها الختان وهو الإزالة الجزئية أو الكلية للأعضاء التناسلية الخارجية أو إصابتها، لأسباب غير طبية، بل اجتماعية، مقصدها “الحفاظ على عفّة المرأة”. ويعتمد البعض آليات غير مباشرة لحماية العذرية من بينها رقابة المرأة، والزواج المبكر، وعدم التربية الجنسية، والالتزام الديني والتشديد على ما يعتبر حراماً، وعدم التزين والفصل بين الجنسين.

وارتبطت “العذرية” بـ”العفة” أيضاً منذ أيام الجاهلية من خلال الشعر العذري، الذي يُعبّر الشعراء من خلاله عن حبّهم دون التطرّق إلى الجنس، أو جسد المرأة، وقد وصفوا حبهم هذا بـ”الطاهر”. وسُمّي الشعر بـ”العذري” نسبةً لقبيلةٍ حملت اسم “عُذرة” في الجاهليّة، ويقال إن أبناءها عُرفوا برقة مشاعرهم وكثرة العشاق منهم، حتى أن بعضهم كانوا يموتون حباً. ومن أبرز خصائص هذا الشعر “انعكاس الأخلاق، والعفاف في الحديث عن الحب وتضمينه معاني رقيقةً وبعيدةً عن الفحش والبذاءة”.

“الفتاة لا تفقد عذريتها، بل تتخلّص منها”
تقول الصحافية والناشطة في مجال حقوق المرأة جمانة حداد إن “الفتاة لا تفقد عذريتها، بل تتخلّص منها”، مشيرةً إلى أن اللغة قد تكون “عدوّتنا” أحياناً، بتوضيحها: “يقال إن الفتاة فقدت عذريتها، وكأنه شيء ثمين، أو كنز تملكه المرأة ومن ثم تفقده”.

وتابعت: “يقال أيضاً إنها منحته نفسها أو استسلمت له، وكأن المرأة هدية للرجل وهذا ليس صحيحاً”.

ويأتي دفاع حداد، ومثلها الكاتبة النسوية نوال السعداوي التي قالت: “إن شرف الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، هو الصدق؛ صدق التفكير وصدق الإحساس وصدق الأفعال. إن الإنسان الشريف هو الذي لا يعيش حياة مزدوجة، واحدة في العلانية وأخرى في الخفاء”، وغيرهما كثيرات وسط عيشهنّ في مجتمعٍ مهووس بإثبات العذرية، فتتعدد الطرق، والنتيجة واحدة: الشك الدائم بجنس حوّاء وربط شرفهنّ بما إذا كنّ قد مارسن الجنس قبل الزواج أم لا.

هوس شهادة الشرف واختبارالعذرية
لا تزال بعض المجتمعات المهووسة بإثبات العذرية تربط الشرف بقطرات دم على قماشة بيضاء يحتفل البعض بها أمام أهل المنطقة وسط رقص وزغاريد ونثر الورود البيضاء، تتعدد الطرق، والنتيجة واحدة: الشك الدائم بجنس حوّاء وربط شرفهنّ بما إن كنّ قد مارسن الجنس قبل الزواج أم لا.

في هذا السياق، تدعو منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إلى حظر “اختبارِ العذرية”، مؤكدةً أن لا أساس علمياً أو طبياً له وأنه “لا يوجد فحص يمكن أن يثبت أن فتيات أو نساء كن يمارسن الجنس من قبل”، معتبرةً أن هذا الفحص ينتهك حقوق الإنسان والمرأة الأساسية، وينزع منها حقَّ التمتع بصحتها من دون أضرارٍ جسديةٍ ونفسية، لما يحمله الاختبارُ من “ألم وإهانة، وصدمة لها”، إذ من غير الأخلاقي أن يقوم الطبيب أو من ينوبه بإجراءَ اختبار العذرية.

هوس العذرية دفع بالبعض للتنبيه من ممارسات رياضية “عنيفة” ومن ركوب الدراجات الهوائية على سبيل المثال خشية “فقدان” العذرية. هذا الهوس ذاته دفع ببعض الفتيات لترميم غشاء البكارة لئلا يتحول يوم الزفاف إلى جريمة شرف. هذا الهوس حضّ نوال السعداوي على أن تتساءل: “بدلاً من ترقيع غشاء البكارة في أجساد النساء، أليس من الأفضل تغيير مفهوم الشرف في عقول الرجال؟”، وحضّ أيضاً الكاتبة المغربية سناء العاجي على القول: “الشرف أغلى وأكبر من مجرد غشاء وجد له العِلم بديلاً يراوح سعره بين 15 و800 يورو”.

المصدر: رصيف 22

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر