الغجريات والشاي الخمير أكثر ما يحن له “سائق السكانيا”

بريد الشام – محمود عبد اللطيف

يعرف أبو أنس الجغرافيا السورية على امتدادها بعد سنوات أمضاها خلف مقود شاحنته الكبيرة لنقل البضائع.

ويؤكد الرجل الذي توقفت دراسته عند ختام المرحلة الابتدائية أن تأمين الطرق البرية في البلاد زاد من رحلاته فيها، إلا أنها لم تعد بعد إلى ما كانت عليه قبل آذار من العام 2011.

أبو أنس الذي كان يحمل أكثر من جهاز هاتف محمول لأرقامه الخاصة، يقول إن السنوات العشر ما قبل الحرب، فرضت عليه هواتف عدة بأرقام من شركات اتصال في دول الشرق الأوسط، تساعد أصحاب الشاحنة على التواصل معه أينما كان، إلا أن رحلاته حالياً، قد تمضي دون أن يرنّ هاتفه ولو لمرة واحدة بسبب سوء شبكة الاتصالات الخليوية في سورية.

يؤكد الرجل الذي يقترب من منتصف عقده الرابع من العمر في حديثه لـ “بريد الشام”، أن الرحلة التي كان يقطع مسافتها في ساعتين باتت اليوم تحتاج إلى أربع ساعات، فقيادة الشاحنة لا تشبه قيادة السيارة العادية، ما زاد من أعباء هذه المهنة على المستوى النفسي، إذ أن الملل غالباً ما يجبره على التوقف لأخذ قسط من النوم، وعلى الرغم من إن سيارته مجهزة بكل ما يلزم للتسلية خلال القيادة، إلا أن “إشعال التلفاز”، يشكل مخاطرة خلال المرحلة الحالية، فالطرقات ضيقة على عدد السيارات التي تجتازها، وطريق مثل “خناصر – أثرية”، يحتاج للكثير من اليقظة بسبب ضيقه وطوله وخواءه الذي يشعر السائق بأن المسافة باتت أطول.

يفتقد أبو أنس “استراحات الشوفيرية”، التي لا تشبه من حيث الطعام والخدمات المقدمة أياً من الاستراحات التي تتوقف عندها باصات نقل الركاب والسيارات السياحية، فـ “الشاي”، على سبيل المثال لا يقدم إلا “خميراً وثقيلاً”، ولن تجد في استراحة المسافرين إلا اللحوم المشوية أو المطبوخة للأكل، ولن تجد أنواعاً كثيرة من التبغ، فقط الأنواع المصنعة محلياً، لأن غالبية السائقين يدخنون “الحمراء الطويلة”، لكون السيجارة “تقطع معك خمسين كيلو”، وفقاً لتوصيف “أبو أنس”.

يحن “سائق السكانيا”، إلى أيام “الوناسة”، وهي مهنة كانت تعمل فيها مجموعة من فتيات الغجر المعروفات لدى الشعب السوري باسم “القرباط”، أو “النَوَر”، إذ كانت الفتيات يقفن على الطرقات الدولية، ليخترن سائق شاحنة ما، يمضين معه الرحلة من دمشق إلى اللاذقية مثلاً، مهمتهن تسلية السائق بالحكاية والأغاني إلى أن يصل وجهته، وذلك لقاء مبلغ مالي كان يتراوح قبل الحرب بين 200-500 ليرة سورية، ويقول “أبو أنس”، إن هذه المهنة ليست مقصورة على سورية، ففي تركيا تجند فتيات يقفن بعد المعبر الحدودي ببضعة كيلومترات، يرافقن السائق طيلة وجوده في تركيا مقابل الحصول على المال، ولا تقبل “وناسة”، بتقديم أي خدمة جنسية لـ “السائق”، الذي يكون “زبونها”.

يوضح سائق الشاحنة التي يزيد طولها عن 16 متراً، أن “الوناسة”، تبحث عن زبون عائد إلى النقطة التي انطلقت منها أول النهار، لتصل في آخر المطاف إلى بيتها وقد حملت غلة تصل إلى ألف ليرة سورية، كانت بالنسبة لهن ثروة قياساً على سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار في مرحلة ما قبل الحرب، ولكن في هذه الأيام لا يوجد أي فتاة تعمل بهذه المهنة، وإن تواجدت فلن تقبل بمبلغ يقل عن 20 دولاراً أمريكياً كما كن يتقاضين قبل العام 2011.

غياب “أبو أنس”، الطويل عن منزله لا يؤثر على المستوى الدراسي لأولاده الذي تتابعه زوجته العاملة في قطاع التعليم، وهي تدير شؤون الأسرة المؤلفة من 8 أشخاص بعناية فائقة، لكنها تشك بوجود “ضرة”، في مكان ما من هذه البلاد، ومع ذلك يصرّ “أبو أنس”، على حبه لزوجته ولا يفكر بالزواج مرة أخرى، كي لا يكون مثل سائق الشاحنة الذي باتت حكاية زواجه من عدد كبير من النساء “على كل لسان”.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر