دينو بوتزاتي: ليس كافكا.. إنها الحياة

بريد الشام – المحرر الثقافي

بعد رحلة إلى مدينة براغ حيث زار قبر كافكا، كتب دينو بوتزاتي ساخطاً: «لم يكن كافكا يسبب لي عقدة نقص وإنما عقدة ضجر وسأم، ومنذ ذلك الحين لم تعد لي رغبة بقراءة كتاباته ولا حتى سيرته الذاتية.. يقولون إني أقلد كافكا ولكنني أقول إنها الحياة». لم تكن هذه زلة قلم أملتها غضبة عابرة، بل هي شكوى مريرة تلخص معاناة الكاتب الإيطالي الطويلة من ما أسماه النقاد «عقدة كافكا».

بدأ الأمر، على الأرجح، إثر نشر رواية بوتزاتي الشهيرة «صحراء التتار». يقول الناقد باولو مونيللي: «عندما خرجت رواية صحراء التتار انبعثت أصوات النقاد تستدعي كلا من كافكا و(آدغار آلان) بو، وتقارن هذه الرواية وشخصياتها بشخصياتهما التي كانت حبيسة وهمها الذاتي والتي كانت تستهلك نفسها بالانتظار الذي لا نهاية له..». وقد ظلت تهمة محاكاة كافكا تطارد الكاتب عقوداً بعد ذلك، فكلما كتب قصة أو رواية، أو حتى مقالاً، فإن النقاد كانوا يسارعون إلى استحضار شبح كافكا. وإذا كانت هذه التهمة قد سببت له الكثير من الإزعاج، فإنها لم تحرمه من الشهرة والتقريظ، ومنذ «برنابو الجبال»، روايته الأولى، وحتى «الليالي الصعبة»، آخر كتبه، فإن أعمال بوتزاتي كانت تحظى باهتمام القراء وإعجاب النقاد. أما روايته «صحراء التتار»، التي لقيت رواجا سريعاً وترجمت إلى معظم لغات العالم، فهناك من بات يعتبرها «واحدة من أهم علامات الرواية الأوربية في القرن العشرين».. 

ولد دينو بوتزاتي عام 1906 في مدينة بللونو الواقعة شمال شرقي إيطاليا، ودرس الحقوق في جامعة ميلانو نزولاً عند رغبة أبيه الذي كان أستاذ القانون الدولي في جامعة بافيا، لكن بوتزاتي اختار الصحافة، وليس القانون، مهنة له، إذ التحق بصحيفة «الكورييري ديلّلا سيرا» التي قبلت تعيينه نظراً لمعرفته بالموسيقا، وبقي محرراً في الصحيفة حتى وفاته عام 1972، في ميلانو، إثر إصابته بسرطان البنكرياس.

تنوعت اهتمامات بوتزاتي ومشاغله، وإضافة إلى الصحافة والرواية فقد كان شاعراً ورساماً وكاتباً مسرحياً وناقداً فنياً. افتتح مسيرته الإبداعية عام 1933 برواية  قصيرة عن العزلة عنوانها «برنابو الجبال»، كما أصدر روايتين حققتا قدراً معقولاً من النجاح: «الصورة الكبيرة» التي أصر النقاد على إدراجها في باب الخيال العلمي، و«حب» وهي رواية عاطفية تناول فيها نماذج مختلفة وطريفة من النساء..

ومن أبرز مجموعاته القصصية: «الرُسُل السبعة»، «رعب في مسرح السكالا»، «سقوط الباليفرنا»، «تجربة سحر»، «ستون قصة قصيرة»، «سيدي العزيز. نحن آسفون»، «الليالي الصعبة».. كما اشتهرت له مسرحية بعنوان «حالة مهمة»، قام كامو باقتباسها إلى الفرنسية.

غير أن «صحراء التتار» تبقى أثره الأكثر سطوعاً. هنا نتعرف على جيوفاني دروغو، الضابط المتخرج حديثاً من المدرسة الحربية، والذي يجري تعيينه في حصن باستياني النائي (في أقصى الشمال)، حيث تخوم الصحراء، وحيث الانتظار الأزلي للعدو المخيف: التتار.

يصل دروغو إلى مقصده ليجد أن الحياة هناك تسير وفق إيقاع صارم وطقوس حديدية، وأن كل شيء يجري تحت سقف الإيمان الذي لا يمس بوجود هجوم وشيك من التتار. كل تفاصيل الحياة الرتيبة، وكل أشكال السلوك العقيمة.. لا تجد تفسيرها إلا في ظل هذا الاعتقاد الراسخ بالعدو المنتظر.

تمضي الأيام والأشهر والسنون، ولا يظهر أي أثر للغزاة المفترضين، بل يغيب أي دليل على أن التتار قد وجدوا أصلاً في أي يوم هنا. ومع ذلك فلا يجد دروغو مناصاً من الانخراط في طقوس الحصن العبثية، حيث العيون والآذان والأنوف تمارس خداع العقول المتلهفة للمعركة المجيدة، والمستجدية لأي معنى يبرر كل هذا الهراء.. وفي النهاية لا يفعل دروغو إلا ما فعله كثيرون معه وقبله، وما سيفعله كثيرون بعده: إهدار حياة كاملة بلا معنى، بلا جدوى، ودون أي مقابل..

من هنا تنعقد المقارنة مع رواية كافكا «المحاكمة»، حيث الروتين الذي يغطي على جوهر القضية، وحيث الإجراءات العبثية التي تهدر حياة الكثيرين ومن بينهم جوزيف ك، وكذلك تنعقد المقارنة مع رواية كافكا الأخرى «القلعة»، حيث البطل يمضي كل الوقت في انتظار مقابلة السيد الذي لا دليل على وجوده، وفي انتظار عمل لن يحصل عليه مطلقاً.. لكن المقارنة تنطوي على شيء من القسر، فإذا كانت «صحراء التتار» تشترك مع روايتي كافكا في بعض ملامح المناخ العام، وفي الحدود السائلة بين الواقعي والفنتازي، وكذلك في الأسئلة الوجودية الكبرى: مساءلة الزمن والمعنى ووهم الخلاص.. فإن هذا مما يجمع الكثير من الأعمال الأدبية في مختلف الأزمنة. بالمقابل فالفوارق تبقى أكثر حضوراً: فالترميز عند بوتزاتي لا يصل إلى مستوى التشفير الذي حول أعمال كافكا إلى ألغاز مستغلقة. كما أن عوالم كافكا الكابوسية تبدو محكمة الإغلاق، بأسوار باسقة وأبواب عصية على أي مفتاح، ويشعر القارئ بأن البطل الكافكاوي (بل وهو شخصياً) أسير عالم لا فكاك منه، محكوم بقوى كلية القدرة، حيث ليس ثمة إلا طريق واحد مرسوم سلفاً يفضي إلى مآل محتوم.  

«حصن بوتزاتي»، وخلاف قلعة كافكا ومحكمته، ليس هو العالم الوحيد. ثمة عوالم أخرى ممكنة، كما أن هناك طرقاً مختلفة، وإذا كان دروغو قد أهدر حياته عبثاً فلأنه اختار الطريق الخاطئ. لم يكن بطل بوتزاتي محكوماً بقوى قدرية لا تقهر، بل بأوهام وضلالات وقيود من صنع البشر..

هناك أيضاً من يقارن «صحراء التتار» بـ «غودو بيكيت»، على اعتبار أن الانتظار اللانهائي لما لا يأتي هو القاسم المشترك، ولكن إذا كان إحضار كافكا إلى حصن بوتزاتي يفتقد إلى الوجاهة فإن إحضار غودو بيكيت لا يتم إلا بالإكراه. ففيما تخبرنا «في انتظار غودو» بأننا محكومون بخيار وحيد: قضاء حياتنا في انتظار اللاشيء، وأن المعنى الأوحد للحياة هو اللا معنى، فإن لدى بوتزاتي حياة أخرى كانت في انتظارنا، طرق أفضل ومعان أجمل أهدرناها في سبيل أمجاد زائفة ورغبات واهمة وطموحات مضللة.

ثمة قصص لبوتزاتي تساهم في دحض هذه المقارنات المفتعلة، ففي قصة «المسجلة»، مثلاً، نلتقي بالبطل وهو يتأفف من حبه الأرضي الذي يراه مبتذلاً وعائقاً أمام أحلامه المحلقة في سماء الفن الرفيع: «كان يسجل مقطوعة الملك ارتورو لبرسيل، الرائعة والصافية. لكنها كانت تغدو وتروح، كجيفة مزعجة لا مبالية، مطقطقة بكعبي حذائها القاسيين.. ثم سعلت عن عمد وبعدها صارت تضحك وحدها.. وأثناء ذلك كان برسيل وموزار وباخ وبالسترينا، الأنقياء الإلهيون، يعزفون سدى، وكانت هي برغوثاً بائساً، قلق الحياة، ولم يكن بالإمكان الاستمرار على هذا النحو..»، ثم «وبعد انقضاء زمن طويل، ها هو يدير شريط التسجيل القديم المؤلم.. أما هي فلم تعد هنا، لقد رحلت، تخلت عنه.. وما زال برسيل وباخ وموزار وبالسترينا يعزفون ويعزفون، أولئك البلهاء الرجيمون الذين يثيرون الغثيان. وتلك الطقطقة التي تروح وتجيء، وهذان الكعبان، وتلك الضحكات القصيرة وبحة الحلق تلك، والسعال، أجل، إن كل هذا لهو موسيقى إلهية».

ربما يكون بوتزاتي متشائماً، لكنه لا يوصد في وجهنا جميع الأبواب، ولا يقول أن «لا طريق أبداً.. لا إلى فوق ولا إلى تحت ولا إلى اليمين ولا إلى اليسار»، كما درج العدميون على القول لنا.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر