الأماكن أهلُها وعمارتها أرواحهم

م. لجين عصام سليمان

يرى كثيرون أن إعادة الإعمار هي عملية فيزيائية (مادية) للمكان، إلا أن الأمر يختلف تماما، فلا إعمار بدون استراتيجية لإزالة جميع آثار ومخلفات الأزمة أو الحرب أو حتى الكارثة، وهنا تبرز أهمية الاستراتيجية، في محو ذاكرة الخراب، لبناء فكر جديد.
وربما تبرز هنا فكرة البشر والحجر بشكّل موسع وكبير، فعلى الرغم من أن انتشار فكرة الإعمار وتلخيصها “ببناء البشر والحجر” باتت روتينية بسبب تكرارها في كثير من الأحيان، إلا أنه لا استراتيجية حقيقية للبناء، بمجرّد وضع التسليح ونصب “الكوفراج الخشبي” ومن ثم سكب الخلط البيتونية المسكينة، لأن هذا البناء مهما علا وارتفع، سيعود ليبدو “هشا” ما لم يرفق بإزالة آثار الكارثة.
ويعدّ تعريف عمليات إعادة الإعمار بأنها إعادة بناء ما تهدّم تعريفا ناقصا، لأنه يهمل مكونات النسيج الحضري، والتي تشكّل البنية الفيزيائية جزءا بسيطا منها.
وبحسب الباحث التركي “سيلمي بارادن” فإن البنية الفيزيائية تعكس بنسبة كبيرة منها الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للناس.
وانطلاقا من هنا فقد عرف “بارادن” استراتيجيات الإعمار بعد الكوارث بأنها مجموعة من العمليات والسياسات التي تهدف إلى إعادة إعمار كل ما تضرر بفعل الكارثة سواء كان ذلك على المستوى القصير أو المدى الطويل، بحيث تكون هذه السياسات شاملة لكل نواحي الحياة وتهتم ببناء ما دُمر ضمن مختلف المحتويات (الاجتماعية، والاقتصادية، السياسية..)
ومن الطبيعي عدم وجود استراتيجية بدون مبادئ ترتكز عليها، وتأتي الوقاية في مقدمة تلك المبادئ، فهي خير من العلاج، ولذلك عادة لا يتم الاكتفاء بوضع خطة لمعالجة آثار الكارثة فقط، بل توضع خطط لتجنب حرب جديدة أخرى، قدر الإمكان، من خلال اعتماد مبدأ المعالجة الشاملة، لجميع المكونات الحياتية، بما فيها نشر توعية حقيقية لجميع سكان المناطق الخارجة من الحروب، فما هي الجدوى من إعادة بناء مدينة حرستا مثلا، بدون ترميم جراح أبناءها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
ولا بد أن تكون الاستراتيجية شاملة، بحيث تعالج الآثار الناتجة عن الحرب على مختلف المستوبات، ومختلف العناصر بالتوازي، سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو إقتصادية أو سياسية.
بالإضافة إلى أنه من الضروري أن تكون هذه الاستراتيجية جزءا من خطط التنمية والتطوير الحضاري، حيث أن تلك الحرب التي حصلت واردة الحدوث، وربما بأشكال أخرى، فإن كانت هذه المرة من صنع البشر، ربما تأتي حرب الطبيعة على شكل كارثة مدمرة، وعلى حضارتنا السورية أن تكون عندها قد أتقنت التعامل مع نوعية الكارثة بشكل تنموي.
وأخيرا فإن من المبادئ التي تشملها استراتيجيات الإعمار الاستدامة لأنها من السمات التي تدير الحياة بشكل تلقائي،وكأن الحياة تولد من ذاتها ، بالإضافة إلى المرونة والتي تعني قابلية التكيف والتعديل السريع مع المستجدات والمتغيرات على أرض الواقع.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر