جان سْتون يسلّم العالَم “مفاتيح المستقبل”


“مفاتيح المستقبل… لنُعيدَ معاً صياغة المجتمع والاقتصاد والعِلم” للكاتب جان سْتون Jean Staune يكاد يكون “دليلك إلى إنقاذ العالَم من كوارث القرن الحادي والعشرين”، وذلك على الرّغم من قوله إنّ قرّاءه لن يجدوا ” أيّ وصفة ناجعة تُعِينهم على وضع أموالهم في منأى عن الكارثة الماليّة المُقبلة التي ستكون أشدّ خطراً من أزمة 2008، أو على النجاة بأنفسهم من جائحات الأوبئة الآتية، أو من هول الدمار النووي الشامل”. ومع ذلك فإنّ الكِتاب الصادر في العام 2015 (700 صفحة من القطع الكبير) هو عرض موسّع لمشكلات العالَم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة، وبرنامجٌ مفصَّل لاستبدال النظام الاقتصاديّ القائم بنظامٍ أكثر إنسانيّة، وموضوع الكِتاب هو ” إنقاذ حياة البشريّة جمعاء”، وغايته ” إعطاء معنىً لهذه الحياة يجعلها أكثر قيمةً وتناغماً”.

الكِتاب تحليل عِلميّ للتحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبخاصّة ما استجدّ منها في السنوات القليلة الماضية. وجان سْتون، فيلسوف العلوم، يجمع في ذاته صفات العالِم الحكيم، بالمعنى السابق على عصر التخصّص العِلمي، الذي “يأخذ من كلّ عِلمٍ بطرف”، فهو فيزيائي وعالِم آثار (أركيولوجي) ورياضي واقتصادي وسوسيولوجي وخبير معلوماتيّة… يرى في العلوم بنية تحتيّة لنظرتنا إلى العالَم، ومحرّك تحوّلاته وتطوّراته على مدى التاريخ. ويتّبع سْتون في تحليله منهجاً إنسانيّاً يقوم على الجمع بين العلوم جميعاً، ما يُسمّى منها بالعلوم الاجتماعيّة وما يُسمّى بالعلوم الصحيحة، كما يقوم على تصوّر مستقبل البشريّة جمعاء، لا مستقبل منطقة دون أخرى.

“مفاتيح المستقبل” خلاصة محاورات المؤلِّف مع كِبار رجال العِلم والمعرفة في عصرنا هذا، وهذه المحاورات هي ثمرة ندوات فكريّة نظَّمتها “جامعة الأرض” Université de la Terre ومؤسّسة “طبيعة واكتشافات”Nature & Découvertes ، و”معهد باريس العالي للأعمال” École supérieure de commerce de Paris، علاوةً على الندوات العالَميّة التي نظّمها سْتون نفسه حول موضوعة “علاقة العلوم بإدارة الأعمال” وموضوعة “أنسنة العَولمة”. ويذكُر سْتون عدداً من المفكّرين الذين أعانته حواراته معهم على تأليف كِتابه، أمثال الأميركي جوزف ستيغلتز، والفرنسيَّين ميشال مافزولي وجاك أتالي الذي قدّم للكِتاب، والبنغالي محمّد يونس، والمغربيَّين عبد الكبير مزوار وكريم عمرو، وغيرهم. و”مفاتيح المستقبل” هو أيضاً امتداد لمؤلّفات سْتون السابقة، وبخاصّة كِتابه “العِلم كرهينة” (La science en otage (2009، الذي يرى فيه أنّ العِلم ليس مشروعاً مستقلاً كائناً على صعيد أخلاقي ما، أو في مكان علوي ما، منفصلاً عن الأنشطة الإنسانيّة الاخرى، وفوقها، بل هو كسائر الأنشطة الإنسانيّة الأخرى محكوم بمنافع اقتصاديّة وغايات سياسيّة ودينيّة.

يبيّن جان سْتون أنّ العِلم قضيّة مُكلفة ماليّاً في المقام الأوّل، وكيف أنّ بعض الصناعيّين والأصوليّين والمادّيّين يتحكّمون في استغلال العِلم لمآربهم ومصالحهم ويتحكّمون من وراء ذلك بحياتنا. فالباحث البيولوجي مثلاً في مجال المناعة عند الإنسان يحتاج إلى بنية تحتيّة من مختبرات ومعدّات ومواد كيميائيّة، والأركيولوجي يحتاج إلى ورشة ضخمة من المُساعدين والعمّال والأدوات للحفر والتنقيب… ومن دون هذه الدعامة الاقتصاديّة لا يُمكن للعِلم أن يُنجِز ما يُمكن أن يُعتَدّ به. وفي العقود الخمسة الأخيرة، أَنتج العِلم أضعاف أضعاف ما أنتجته البشريّة خلال 2500 سنة. فمنذ أن وضعَت الرأسماليّة يدها على البحث العِلمي، بحسب سْتون، ” قبل ما يقارب خمسماية عام، وشدَّدت قبضتها عليه تدريجاً، فموّلت، بمؤازرةٍ من السلطات العامّة، البنى التحتيّة للبحوث العِلميّة، حقَّقت العلوم الحديثة إنجازات هائلة، من مَسح جغرافيا الكرة الأرضيّة وسبْر أعماق المحيطات إلى غزو الفضاء واستكشاف الكواكب الأخرى، ومن دراسة المتناهي في الصغر إلى دراسة المتناهي في الكبر (…) ومن السير على القدمَين وركوب الدواب إلى ركوب الطائرة النفّاثة، ومن الموت بسبب التهاب بسيط إلى زراعة القلب، ومن الاستضاءة بالشموع إلى وصول الكهرباء حتّى أبعد المناطق النائية، ومن الحرب بالبارود إلى القنبلة النوويّة، ومن الرسالة التي يحملها رسول إلى التلفزة والإنترنت… ولو لم يكُن هناك داروين وغاليليه وكولومبوس وغيرهم لكانت إنجازاتهم قد تحقَّقت على يد سواهم. ومن دون تمويل مشروعاتهم وبحوثهم العِلميّة لما تمكَّنوا من بلوغ النتائج التي وصلوا إليها”.

غلاف الطبعة الاولى – الفرنسية

ويتساءل سْتون: ” لماذا تتدفَّق المليارات من خزائن الدول وصناديق البنوك وجيوب الأثرياء نحو المُختبرات والجامعات؟” ويُجيب: ” لأنّ هناك مَن ينتظر من ورائها تحقيق هدف سياسي أو جني أرباح ماليّة، لا كما يظنّ بعض السذّج بأنّ العِلم مُحايد ومستقلّ عن الغايات السياسيّة والأرباح الماليّة. فهؤلاء يخالون أنّ الدول والشركات الاقتصاديّة والماليّة التي تموِّل البحوث والمشروعات العِلميّة، وبخاصّة التكنولوجيّة، تتمتّع بحسٍّ إنسانيّ وتريد خَير البشريّة وليست لها مآرب خاصّة بها. في حين أنّ حقيقة الأمر هي أنّ تمويل العِلم مسألة تختلف كثيراً عمّا يتصوّر البعض. حتّى أنّ الباحثين والعُلماء أنفسهم لا يدركون أحياناً هذه الحقيقة الواقعة (وبعضهم يشيح بنظره عنها، أو لا يريد أن يعرفها)”.

ويرى سْتون أننا حتّى لو أردنا تمويلاً لبحوثٍ عِلميّة أو تكنولوجيّة مُجرَّداً من الغايات السياسيّة والاقتصاديّة (وحتّى المُعتقديّة أيضاً) فسيكون ذلك ضرباً من المستحيل؛ فالتمويل العِلمي محكوم على الدوام بأسئلة من نَوع: “ما الفائدة من توظيف هذا المبلغ؟”، ” أليس من الأفضل توظيفه في مشروع آخر؟”، “ما ضمانة أن يكون مردود هذا التوظيف مُربحاً؟”… هذه الأسئلة ليست عِلميّة، فالعِلم يُمكن له أن يبيِّن موجودات هذا العالَم وأن يكشف ما خفي منها، ويفسّر كيفيّة عملها ووظائفها، وأن يُجيب عن أسئلة تتعلّق بماضي هذه الموجودات وحاضرها وربّما مُستقبلها القريب، ولا يُمكن له بحال من الأحوال أن يرى ما ستكون عليه في المستقبل البعيد. وحدها الأديان والإيديولوجيّات تنبري للإجابة عن أسئلة المستقبل البعيد الماورائيّة. حتّى أنّ العِلم لا يملك أن يُحدِّد ويُعيِّن أولويّاته، ولا أن يقول سلفاً ماذا سيفعل باكتشافاته ومُنجزاته في مجال الهندسة الوراثيّة؛ على سبيل المثال: هل ستُستَغلّ هذه المعرفة في علاج الأمراض السرطانيّة والوقاية منها، أو في التلاعب بجينات الإنسان لخلق إنسان “سوبرمان”، أو لتضخيم ضرع البقرة الحلوب ليصبح بحجم خزّان كبير؟ يتوقّف الخيار على عوامل سياسيّة واقتصاديّة وأخلاقيّة. والاكتشافات والمُنجزات العِلميّة نفسها تُستخدَم لغايات مُختلفة باختلاف السياسات والإيديولوجيّات والرؤى الاقتصاديّة التي توجِّهها. فنحن لا نعرف لماذا استُخدِم التقدّم العِلمي للوصول إلى القمر بدلاً من السير في اتّجاهات أخرى! لا يكفي أن نستعرض إنجازات الفيزيائيّين والبيولوجيّين والسوسيولوجيّين لكي نعرف ذلك. بل علينا أن نلتفت إلى القوى الإيديولوجيّة السياسيّة والاقتصاديّة التي وجَّهت البحوث الفيزيائيّة والبيولوجيّة والسوسيولوجيّة في اتّجاهٍ مُعيّن وصرفتها عن التوجّه في اتّجاهات أخرى.

لا يُمكن للبحث العِلمي أن يزدهر ويتقدّم إلّا بالتعاون مع إيديولوجيا سواء كانت دينيّة أم علمانيّة، وسواء استندت إلى فلسفة سياسيّة اقتصاديّة ما، أم لم تستند؛ فالإيديولوجيا هي التي تسوِّغ وضع المال والمقدّرات الماديّة في خدمة المشروع العِلمي والعِلمي- التكنولوجي.

نحو تحرير البحوث العِلميّة من رأس المال

يرى سْتون أن علينا أن نحرِّر البحوث العِلميّة من قبضة رأس المال، ومفاتيح المستقبل التي يصنعها جان سْتون تكمن هنا بالذّات: كُتِب الكثير عن نهاية الرأسماليّة وعن أزماتها الدوريّة التي كانت تجد لها حلولاً لم يكُن أيّ منها في مصلحة الإنسانيّة: ففي القرن التاسع عشر كان الحلّ بالاستعمار ونهْب خيرات أفريقيا وآسيا “المتخلِّفة” لما فيه مصلحة البلدان الصناعيّة “المتقدّمة”، وفي القرن العشرين كان الحلّ بصراعٍ ضارٍ بين الدول الصناعيّة لاحتلال أسواق العالَم بحربَين عالَميّتَين طاحنتَين، وفي القرن الحادي والعشرين، وبعدما استُنفِدت كلّ الحلول المُمكنة و”المعقولة” اجتُرِح حلّ “حرب حضارات” بين الانتماءات الدينيّة واللّغويّة والعرقيّة في حين أنّ هذه الانتماءات لا تتصارع وإنّما تتكامل وتتعاون. ولعلّ هذه الحرب الجارية اليوم قسراً، وعلى الرّغم من أنف التاريخ، هي التي ستضع حدّاً للنظام الاقتصادي- السياسي العالَمي القائم.

يوافق جاك أتالي، في المقدّمة التي كَتبها لكِتاب جان ستْون، على تحليلات هذا الأخير التي ترى أنّه يجب عدم الاستهانة بالمَخاطر التي تنطوي عليها النماذج الاقتصاديّة والاجتماعيّة السائدة اليوم، وعلى الانفصال القائم بين المجال المالي والمجال الاقتصادي الحقيقي، والذي تجلّى في الأزمة الماليّة- الاقتصاديّة سنة 2008. كما يوافقه على أنّ الأزمات الاقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة والسياسيّة والبيئيّة لا يُمكن إلّا أن تتكرَّر دَوريّاً وعلى نحوٍ مُتعاظم الخطورة، ما دامت السياسات الإعلاميّة والماليّة مستمرّة في خضوعها لاستبداد النموذج الشمولي (العَولمة الاقتصاديّة) الذي تفرضه المنظّمات المتعدّدة الجنسيّة (العابرة للأوطان).

ويتّفق أتالي مع سْتون على أنّه ” ليس هناك من حلّ للخروج من الأزمات الحاليّة سوى تغيير النموذج الشمولي (العَولمة الاقتصاديّة) الذي بات يحكم العالَم ويتحكّم به. وهذا الحلّ وحده قادر على الجمع والتوفيق بين التنمية الحاليّة والمستقبليّة وبين دولة الحقّ والقانون من أجل تلبية حاجات الأجيال الحاليّة والأجيال اللّاحقة”. وجان سْتون متفائل بوشوك حلول هذا الحلّ، فقد صدّر كتابه بقولةٍ استعارها من بيار تيار دو شاردانPierre Theillard de Chardin: ” العالَم ليس مريضاً، كلُّ ما في الأمر، أنّه يعاني من مخاض الولادة”. فما الذي يموت في عالَمنا وما الذي يولَد؟ احتضار عالَمِ عَولمةٍ تمتطي صهوةَ تقدّمٍ تكنولوجي سريع، وولادة عالَمٍ ينادي بكبْح جماح اللّيبراليّة الاقتصاديّة. مرحلة انتقاليّة رائعة ومرعبة في آن: قفزة في المجهول، رائعة لأنّها مرحلةً انتقاليّة لا تحدث إلّا في فترات يتراوح طولها بين 400 و500 سنة؛ ومرعبة لأنّ ضياع المعالِم وفقدان الاتّجاه يدفع بالكثيرين من الناس إلى اليأس أو إلى العنف. هذا ما يوضحه الكِتاب على الصعيدَين النظري والعَملي: “العالَم مريضٌ وكلّ موت يكون على صلة بمرضٍ ما، لكنّ الموت ضرورة للحياة، وإن لم يكُن ثمّة موتٌ يستحيل أن يكون هناك جديد وحياة جديدة، وأجيال جديدة. غير أنّ كِتاب جان سْتون “مفاتيح المستقبل” الذي يوضح ذلك كلّه، على الصعيدَين النظري كما العَملي، يُساعد القرّاء على معرفة الاتّجاه الذي يعينُهم السَّير فيه على الوقاية من مَخاطر التقلّبات التي تعصف بعالَمٍ آخذ بالتعقيد أكثر فأكثر، ويوماً بعد يوم.

تهاني سنديان – عرض لكتاب عن الفرنسية

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر