عن اليابان التي فهمت الفرق بين الإعمار والعمران

هي درس قابل للتعلم وليست أسطورة

عمر الحلاج

درج في السنوات الماضية نوع من الأدبيات العربية، تتحدث عن اليابان كبلد العجائب والمعجزات. وفي استلابية مفرطة يسقط بعض من المُصلِحين العرب آيات من الإكبار على الشعب الياباني وانضباطه وحبه للعمل، في مقارنة فجة مع المجتمعات العربية المستعصية على الإصلاح، وغير القابلة لاحترام النظام والعلم.

هذه المقاربة الماورائية لفشل التنمية في بلادنا تزداد بعداً عن التحليل العلمي (السياسي والاقتصادي) للظاهرة اليابانية مع انهيار اقتصاداتنا (ومن ورائها منظوماتنا الاجتماعية) بعد النزاعات وأعمال العنف التي عمت أجزاء كبيرة من دول منطقتنا بشكل مباشر أو غير مباشر.

تأخذ اليابان بُعداً متجدداً من التمني الخلاصي شبه الديني. هم أعادوا إعمار بلادهم بعد الحرب واستطاعوا أن يصلوا إلى حالة من التصالح مع ماضيهم بل استطاعوا أن يحولوا تاريخهم المرير إلى حافز للنمو والسلطة الاقتصادية. كيف؟ غير مهم لأننا لا نستعمل اليابان كدرس تاريخي بل كرمز ميثولوجي نسقط عليه عدم قدرتنا على التغيير.

في العام الماضي اتيح لي السفر إلى اليابان مرتين، في المرة الأولى لم أمنع نفسي من الإفتتان بالمعجزة اليابانية. ولكني في المرة الثانية أردت أن أفهم أكثر كيف أنجزت اليابان تحولاتها السياسية والاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية وبدأت بعض معالم المشهد تتوضح شيئاً فشيئاً رغم أني أعترف مسبقاً أن الموضوع مازال ضبابياً في كثير من جوانبه.

تبدأ القصة في منتصف القرن التاسع عشر مع محاولة مَرْكَزة السلطة في بلاد شاسعة سيطر عليها أمراء حرب متنافسون، تحت سلطة امبرطور لم يكن يملك الأدوات الكافية لضبطهم تحت راية واحدة. كان خيار التحديث وقتها شبيهاً بخيار الامبرطورية العثمانية في الخوض في مشروع التنظيمات، خياراً نابعاً من صدمة المواجهة مع الغرب من جهة، ومن قناعة كلا الامبرطوريتين بقدرتهما على الموازنة بين التدخلات الغربية واستخلاص أكبر قدر من الدعم لدورهم كضامن للاستقرار في جغرافيتين تتنافس عليها الدول الاستعمارية، ولا تريد أياً منها لهذه المنظومات التقليدية أن تسقط بيد منافسيها.

لكن نجح اليابان حيث فشل العثمانيون، فالرجل المريض العثماني لم يستطع ادارة القوميات المنفلتة عن سيطرته خاصة وأن شرط مركزة السلطة كان مرتبطاً بمركزة الإيديولوجيا التركية. لم يكن ممكناً في الفكر السياسي الناشئ وقتها التفكير في تجميع الموارد الاقتصادية اللازمة لبناء الدولة الحديثة من دون تعريف قومي لمفهوم هذه الدولة.

أما في اليابان فكان التجانس المجتمعي أكثر قبولاً لفكرة مركزة الإيديولوجيا القومية. هذه لا ينفي بالطبع أن عملية تطويع أمراء الحرب لم تكن بالسهلة. فبعد أن استطاعت اسرة الميجي في طورها الأول اخضاع أمراء الحرب المتفرقين لم تستطع أن تكرس انتصارها بسياسات تنموية ومجتمعية حقيقية وفشلت الدولة المركزية في توظيف العساكر المسرحين بعد الحروب الأهلية سواء منهم الموالين لها أوالخاسرين أمامها في منظومة ادارية جديدة فعاثوا في الأرض فساداً. واستطاع بعض أمراء الحرب الساموراي المنهزمون بعد أن أعادوا تجميع صفوفهم أن يعيدوا تجميع هؤلاء العساكر في أعمال لصوصية أو في ثورات محلية متفرقة. ولم تستقر الأمور للدولة المركزية إلا مع بداية القرن العشرين. إلا أن انتصار المركز لم يكن ليأتي لولا التوسع المضطرد لليابان في أسيا وبناء مستعمرات جديدة تستوعب فائض اليابان السكاني وتحصل منها على الموارد اللازمة لبناء مقومات نموها الإقتصادي.

هذه المنظومة الاستعمارية وصلت إلى حدها الطبيعي في المواجهة الكبرى مع كل الدول الاستعمارية الأخرى واللتي بنت رفاه مجتمعاتها ونموها الاقتصادي بالتوسع على حساب الشعوب الأخرى وكانت مواجهة الحرب العالمية الثانية. لم يكن من خيارات كثيرة لمثل هذه الدول التي لاتعيش إلا بفائض القيمة الذي تستخلصه بالاحتلال المباشر لأراض وأسواق أخرى. التوجه كان إما للتحالف مع دول المحور أو مع الحلفاء. جاء اختيار اليابان للتحالف مع ألمانيا النازية ودول المحور، وانجرّت بذلك إلى حرب دموية كانت نتيجتها وصول الحلفاء إلى تفوق استراتيجي تدريجي كرسّوه في اليابان باستعمال القنبلة النووية للمرة الأولى في التاريخ ضد مدينتي هيروشيما ونغازاكي لكي يرهبوا اليابان (ومن ورائها ألمانيا) للاستسلام المبكر ويوفروا خسائرهم العسكرية.

وَفْر الخسائر العسكرية للحلفاء كلف اليابان مئات ألاف القتلى من المدنيين. قرابة الثلث منهم ماتوا في اللحظات الأولى من الانفجارات، والجزء الثاني مات متأثراً بجروحه ومن هطول المطر الأسود المحمل بالاشعاع على مدى الأسابيع التالية للتفجير، والجزء الأكبر مات نتيجة السرطانات والتشوهات الولادية الناتجة عن التعرض للاشعاع على مدى العقود التالية.

شهادات الناجين من المجزرة تروي حكايات من الصدمة ثم التعرف التدريجي على حجم الكارثة والبحث عن أدوات الاستمرار بعد أن تهدمت كل البنى التحتية الأساسية ثم الغضب العارم على الولايات المتحدة قبل أن تبدأ المراجعات عن مسؤولية اليابانيين أنفسهم عن الحرب والتي لم تأتِ طوعاً ولن تأتي قبل عقود من العمل الحكومي المكثف لحياكة سرديات جديدة عن الحرب وعن ضرورة البحث عن السلام.

خرجت اليابان خاسرة في الحرب. وفي العرف القتالي التقليدي لليابانيين فهذا العار لا يمحوه إلا الانتحار. ولكن هذه المرة كانت الخسارة جماعية. وخيار الانتحار ليس متاحاً لأمة بأكملها. وتطلب الأمر ايديولوجيا جديدة تتعامل مع الهزيمة بواقعية بل وحتى “تحتضن الهزيمة”.

احتضان الهزيمة لم يكن مجرد فلسفة عابرة، بل أصبح على مدى سنوات مابعد الحرب سياسة رسمية، تطلبت من القيادات العليا بما فيها الامبرطور أن تفتح حواراً معمقاً مع مجتمعاتها المحلية لإعادة مسح ما تبقى لليابان من موارد (تقانة، معرفة، ثقافة، ومؤسسات) واستثمارها من جديد.

جميع هذه الموارد باتت مهددة بتدخل جيش الاحتلال الأمريكي في إعادة صياغة كل شيء وفق معادلات تناسب تصوره لدور اليابان في معادلة الحرب القادمة (الحرب الباردة مع الكتلة الشيوعية حليفة الأمس ضد المحور عدوة المستقبل في تقاسم العالم ما بعد الحرب).

حاول الأمريكان إعادة هيكلة المؤسسات وأدخلوا الانتخابات كأداة لزعزعة القيادات الهرمية التقليدية التي كانت مسيطرة على منظومة الحوكمة، وقدّم الأمريكيون حوافز الإعمار بشكل تفضيلي للمحليات التي استجابات لرغبتهم بتحميل إعادة الإعمار رسائل لبناء السلام تناسب الخطاب الأمريكي حول مسؤولية اليابان عن الحرب والدمار. وبدأت العديد من البلديات تتجاوب معهم نتيجة بطء استجابة الحكومة المركزية المهلهلة وغير القادرة على موازنة الأولويات المختلفة لإعادة الإعمار.

بلدية هيروشيما أعادت تموضعها من مدينة المصانع الحربية لتصبح مدينة السلام. وربطت اقتصادها القادم بعملية تكريس لموقع القنبلة النووية كمزار عالمي للسلام. سجلت شهادات الآلاف من الناجين على مدى عقود، ووثّق تحولها من خطابات ساعية للانتقام إلى خطابات داعمة للسلام.

دعمت سردية موحدة ترجمت إلى مناهج مدرسية وبرامج رحلات لنصب السلام في وسط الحديقة التي شيدت وسط المدينة (والتي خالها الكثير من أهالي هيروشيما في البدء مطاراً سرياً للجولة القادمة من المواجهات مع الأمريكان).

وثّقت كل صغيرة وكبيرة ضمن نص موحد، صار نوعاً من الإيديولوجيا التي لا يمكن منازعتها. ولكن المشروع الذي لزمه بضعة عقود ليوازن ما بين احساس أهالي المدينة بأنهم ضحايا جريمة كبرى من جهة وحاجتهم لمواجهة تاريخهم، والتصالح مع مسؤوليتهم عن الحرب من جهة أخرى، صار في نهاية المطاف موقع نزاع ما بين الحكومة التي بدأت تستعيد دورها المركزي شيئاً فشيئاً وما بين التحالف المحلي مع الأمريكان والذي وفر معادلة الاستقرار والتعافي الأولية بعد الحرب.

احتضان الخسارة كان معادلة للتفاوض مع الأمريكان من جهة ومع المحليات من جهة أخرى. قبول خطاب السلام مكّن الحكومة اليابانية من التراجع التكتيكي لاسترجاع دورها المركزي تدريجياً. الانزياح الذي قبل به المركز مكّنه تدريجياً من إعادة تجميع الموارد الوطنية لتصبح بديلاً للتمويل الأمريكي، ولكنه لم يكن ممكناً لولا قبول الدور المحلي وقبول مسؤولية المركز عن الدمار الذي تسببه للمحليات. ايديولوجيا السلام كانت الرابط الذي مكن الجميع من التعافي التدريجي وإعادة بناء الاقتصاد الياباني ليصبح أحد أهم اقتصادات العالم بعد أقل عقدين على تدمير البلاد في الحرب.

ـ عن مجلة الهندسة

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر