رودان .. بين الظل والضوء

من تفاصيل البرونز مروراً بالحجر، نقف أمام كتل الرخام الضخمة، تسرقنا دهشة تسربت من أصابع فنان ترك عبر التاريخ بصمة أثارت النقاد والجمهور في آن معا وطوّع الضوء ليخلق الظلّ على منحنيات أجساد باتت إلى يومنا هذا رمزا من رموز الإبداع.

ربما لم يكن ((أوغست فرانسوا رودان)) قاصداً أن يعلق أنظارنا على كتله التي غيرت بعضاً من مفاهيم النحت فتحول إلى مدرسة متفردة في إطلاق معطيات فنية وتقنية مذهلة.

ولد الفنان الفرنسي ((أوغست رودان)) في 12 تشرين الثاني سنة 1840 ويعتبر من أهم نحاتي القرن التاسع عشر حيث أن مسيرته الحياتية والفنية دلّت على وجود فنان تجاوز الانطباعيين من فناني عصره فأثار الجدل في الكثير من مواضع الإبداع والجمال لديه .

في الرابعة عشر من عمره بدأ ((رودان)) يتعلم الرسم والحساب في حي لاتيني فرنسي وأثناء دراسته كان يتعمد زيارة متحف اللوفر بباريس لينقل عن التماثيل القديمة ويدرس الرسوم في المدرسة الإمبراطورية.

فشل ((رودان)) ثلاث مرات في اجتياز امتحان مدرسة الفنون الجميلة إلا أن الفشل كان محرضا لدخوله إلى عالم الزخارف وما لبث أن أنتقل إلى إيطاليا لدراسة أعمال كبار النحاتين العالميين.

قام الفنان المسكون بهواجس لا تنتهي بزخرفة واجهة مسرح (غوبلان) على طراز فن الباروك والفن الأكاديمي في عصر ((نابليون))، ثم سافر إلى بروكسل وبسبب اندلاع الحرب البروسية الفرنسية اضطر ((رودان)) للمكوث في بروكسل فتوقف نشاطه الإبداعي بباريس، وبعد انتهاء الحرب عاد إلى باريس مفلسا وسرعان ما تم الاتفاق بينه وبين مصنع سباكة التماثيل البرونزية.

أنشأ ((رودان)) مشغلاً على قمة (مونمارتر) فكان باكورة أعمال المشغل تمثال (رجل من العصر البرونزي) وتم عرضه عام 1877م أثارت هذه الكتلة البرونزية الضخمة دهشة النقاد والجمهور فذهبوا بظنهم إلى أن ((رودان)) قام بصب قالب التمثال على جسد حي لشدة براعته في إظهار تفاصيل الجسد البشري وقدرته على بث الحياة التي كادت أن تنطق من البرونز وما لبث أن قام بنحت تمثال للقديس يوحنا الذي تحول في ما بعد إلى إعجاز نحتي أثار الكثير من التساؤلات والجدالات التي انتهت إلى التأكيد على قدرته الفنية الخلاقة .

Image result for ‫تمثال رجل من العصر البرونزي رودان‬‎

ربما تسوقنا أبصارنا للبحث في تفاصيل الأجساد عند ((رودان)) إلى مسألة التشريح وكيف أنه كان قادرا على جعل الجسد الجامد صاحب حركة فنكاد نجزم بأن تمثال المفكر سينهض من كرسيه ليطلق نظريات ربما تعمد هو ذاته أن يخبئها بين ثنيات هذا الجسد المذهل.

استطاع ((رودان)) تحطيم الكتل النحتية وإعادة خلقها ببراعة فلسفية فترك على كل منحوتة أو عمل فني نافذة للدهشة تطلق خيال من يراقب التفاصيل الدقيقة باتجاه الكمال في عالم النحت فنضيع بين الكل والجزئيات في أعماله النحتية .

ولم يكتفي جنونه الذي فاق الجمال عند ما سبق من منحوتات فقام بنحت باب عملاق عبر أجساد عارية مكونة من مئتي شكل إنساني في وضعيات وأشكال مختلفة وقارب في إبداعه جحيم دانتي المليء بالألم والانفعالات الإنسانية.

نفذ ((رودان)) عدة أعمال نصبية ذات بعد رمزي وفلسفي وإنساني جعلته يتخطى كل معطيات ما سبقه من نحاتين ، فربما شكلت حالة العشق بينه وبين المادة التي يعمل بها فضاء أوسع مما تخيل هو نفسه فحلقت أصابعه باتجاه الإعجاز الفني وصقل الحجر والمرمر وصب البرونز ونسي بعضا من روحه في طيات أعماله التي نبضت حركة رغم ثباتها.

ومن أهم أعماله: ( المفكر، بوابة الجحيم، بلزاك، برجوازيوه مدينة كاليه، القبلة، فيكتور هوجو).

دخل ((أوغست فرانسوا رودان)) في سبات المرض بعد أن نال منه التعب قبل ميلاده السابع والسبعين وتوفي في (مودون) في 17تشرين الثاني عام 1917 ، لم تقم له جنازة وطنية إلا أن الجمهور الذي سكنته هواجس وإبداعات ((رودان)) لم يكف عن التصفيق رغم الحزن الذي طال المدينة وبقي تمثال المفكر يحدق على شاهدة قبر ((أوغست)) الذي قلب مفاهيم النحت بجزئياته وجعل الحركة تنطق في الأجساد الثابتة.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر