من الأندلس إلى دمشق .. ذاكرة تختصر المدن

(حين يذكر اسم اسبانيا في سوريا، أو يذكر اسم سوريا في اسبانيا، يخطر في البال فورا ذكرى واحدة، عهد حكم السلالة الأموية في دمشق واستمرارها في الأندلس. لكن هناك أيضا تاريخ مشترك أقرب حدوثا.. لقد ساهم شخص ما في تكوين هذه المدينة بشكل بارز، ترك أثرا لا يمحى في مخططات عمرانية وأبنية رائعة.

(عمران دمشق الجديدة لم تكن على ما هو عليه لولا فرناندو دي أراندا)، هكذا قدم “خوان سرات” سفير إسبانيا في دمشق لكتاب “فرناندو دي أراندا” الذي يحوي نصوصا عن المعماري الإسباني لآليخاندرو لاغو، وبابلو كارتاخينا، وأوخينيو غارثيا غاسكون، وعفيف بهنسي، وكارمن سيران ودي آرو مارتينيث.

حياته: ولد فرناندو دي أراندا غونثاليث في مدريد في 31 كانون الأول عام 1878 وتوفيت والدته أليسا غونثاليث غوميت بعد فترة قصيرة من ولادته، فرافق والده الموسيقي في جولاته منذ كان طفلا، ورحلا في بادئ الأمر إلى باريس ثم إلى استنبول، وفي استنبول حظي فرناندو بميزات عدة بسبب مركز والده الاجتماعي والذي كان أيضا مدرسا للسسلطان وابنه ولمجموعة من أفراد الطبقة الحاكمة في استنبول.

تميز فرناندو منذ صغره بميله إلى فن التصميم والهندسة وفي أول وصول له إلى دمشق مطلع القرن الماضي مكث في فندق فيكتوريا المكان الذي تعرف به على زوجته الأولى زنوبيا سيريكاكيس اليونانية الأصل والتي كانت تعيش بين دمشق وبيروت فتزوجا وأنجبت له ولدان “مانويل” الذي ولد عام 1911 و”كارلوس” الذي ولد عام 1912 وما لبث أن حدث الانفصال بينهما عام 1936 فعادت زنوبيا إلى بيروت حيث كان لها عائلة فيها وبعض الأملاك، وتوفيت فيها عام 1952.

استلم فرناندو منصب نائب قنصل فخري اسباني من عام 1912 وحتى عام 1936 فتزامن استلامه المنصب مع زمن وضع مخططات الحجاز التي فاز بها وتفوق على عدد كبير من المهندسين المعماريين بجنسيات مختلفة والذين تقدموا أيضا بمخططاتهم، إلا أن إبداع أراندا جعله يحظى بفرصة باتت إرثا حضاريا وتاريخيا لدمشق، أما فرناندو وبعد أن طلبت منه عائلة حلمي البالغة الثراء والتي تنحدر من أصول تركية قادمة من مصر وتمركزت في دمشق أن يبني لها بيتا تعرف إلى صبرية حلمي المولودة عام 1897 قريبة العائلة والتي كانت تصغره بعشرين عاما فتزوجا ورحلا سوية إلى حيفا التي اعتنق فيها الدين الإسلامي فغير من اسمه فرناندو إلى محمد.

قضى فرناندو زمنا في حيفا ثم عاد إلى دمشق ليكمل بقية سنواته فيها، وبعد عودته عمل في مديرية الأوقاف عام 1940 كمهندس معماري وكرئيس تصميم في وزارة المواصلات، ثم خطط بين عامي 1949 و1950 لتوسيع الجناح الغربي للمتحف الوطني فارتفع أجره إلى ستمائة ليرة سورية.

إنجازاته: ربما كان السر واللغز في شخصية وإبداع فرناندو أنه كان يستوحي عمارته من الإمبراطورية العثمانية في المدينة الأموية التي كانت مجمعا وخليطا لجماليات العمارة، فشكل نموذجا للمعماري الناجح الذي يضيف للمدن إرثا يخلده التاريخ.

وضع مخطط محطة الحجاز الذي يعود إلى عام 1912 وتم تشييده عام 1917 ويتميز البناء باستعادة عناصر العمارة الإسلامية مثل الزخارف الخشبية الداخلية وألواح القيشاني وتشكيلات النوافذ واستعادة الملامح المعمارية الكلاسيكية.

وكان بناء عزت باشا – العابد من ضمن إبداعات أراندا حيث يعتبر من أوائل الأبنية الحديثة في دمشق عام 1906 وهو بناء ضخم ذو طابع ألماني، يقع في ساحة الشهداء بالمرجة، في بداية الأمر كان فندقا ثم تحول إلى ثكنة عسكرية خلال الحرب العالمية الأولى.

استخدم أراندا الإسمنت المسلح لأول مرة في بيتين في حي السنجقدار بين عامي 1925و 1927 ، ومن أبنيته مبنى البسام ذو الطابع الألماني على غرار بناء العابد ومبنى المصرف التجاري السوري في شارع النصر، وبيت الأيوبي، وبناء جميل مردم بيك، بالإضافة إلى فندق زنوبيا في تدمر، الذي بني عام 1924 وأدارته نبيلة فرنسية في الثلاثينات وكان من نزلائه الملك ألفونصو الثالث عشر، وأغاثا كريستي.

كان لأراندا معارف من جنسيات وطبقات مختلفة، ومن أشهر معارفه محمد كرد علي والشيخ نوري بن شعلان وسلطان باشا الأطرش، والمستغرب أنه لم يعد يظهر اسمه وتوقيعه في المشاريع التي بناها في أواخر حياته فراح البعض للاعتقاد بأنه لا يحمل شهادة أكادمية في هندسة العمارة، حيث بدأت الحكومة السورية بعد الاستقلال تطالب بالشهادة كشرط لعمل المهندسين، والبعض الآخر ساقه الاعتقاد إلى أن اختفاء توقيع واسم فرناندوا سببه حالة الزهد التي أصابته بالعالم وما حوله.

كان أراندا معمار مبدع ومميز بكل مقاييس الفن الذي تحول إلى حالة عشق نمت بينه وبين دمشق، وضمن كتاب صدر في دمشق بمناسبة مرور قرن على قدوم المهندس المعماري فرناندو دي أراندا إليها قال فيه أحد الشعراء الاسبان:”ليس في ذاكرتي حنين إلى الحجارة، أنا حلم السماء الذي يبني وهو نائم، ناطحات السحاب وسجنا لكبريائه، بأي إله يؤمن أراندا في دمشق؟”.

وفاته: انتهز المرض فرصته فاستحل جسد من كان يشيد لدمشق، فرقد في المستشفى الإيطالي، وعلى الرغم من مرضه بقي فرناندو صاحب اللغز الأكبر بدءا من مبانيه التي شيدها وانتهاء بطلبه الكاهن قبل موته فكان يطلب الغفران في أيامه الأخيرة من مريم العذراء التي كانت صورتها معلقة في غرفته، توفي فرناندو قبل أن يكمل الواحد وتسعين عاماً بثلاثة أيام في 27 كانون الأول عام 1969 ودفن في مقبرة باب الصغير، لكنه ترك شواهد كثيرة تدل على عبقريته كما ترك لغزه في مدينة اسمها دمشق.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر