في براعة أن تكون قارئاً موهوباً

بريد الشام – المحرر الثقافي

يقدم راضي النماصي لكتابه «داخل المكتبة خارج العالم» بحكاية شخصية: قرأ منذ سنوات رواية غوستاف فلوبير «مدام بوفاري»، واعتقد أنه «هضمها» تماماً، وأن بإمكانه الكتابة عنها، صفحات وصفحات، بكل طلاقة وأريحية. ولكن حدث أن وقع على كتاب بارغاس يوسا عن الرواية نفسها «مجون لا نهائي: فلوبير ومدام بوفاري»، فـ «شعرت بأني لم أقرأها مطلقاً. كيف له أن يرى كل ذلك الكون الكامن في ذات الكتاب الذي قرأته؟ وكيف استطاع الحفر في هيكل الرواية والخروج بمعاني أنفذ مما وجدت؟ ألم نقرأ نفس الكتاب؟». وكثرت الأسئلة وتوسعت: هل يملك المبدعون موهبة خاصة في القراءة أيضاً؟ ألا تزودهم حرفتهم بطرائق وأدوات مميزة تجعلهم قراء مختلفين عنا نحن القراء العاديين؟ ما هي معاييرهم للكتاب الجيد؟ هل بإمكانهم أن يقدموا لنا نصائح وإرشادات ترتقي بقراءتنا؟..

هكذا ولدت فكرة «داخل المكتبة خارج العالم»: البحث عن نصوص يتحدث فيها مبدعون عن الكتب والقراءة، ثم ترجمتها إلى العربية وضمها في كتاب. وقد وضع النماصي ثلاثة شروط مسبقة: «شهرة المؤلف، عمق المحتوى، وكون النص مترجماً للغة العربية للمرة الأولى»، ورغم هذه القيود الاختيارية فقد كان الصيد ثميناً: نصوص ممتعة لفرجينيا وولف؛ رديارد كيبلينغ؛ هنري ميللر، هيرمان هسه، فلاديمير نابوكوف، يوسا؛ برودسكي؛ نيل غايمان؛ البرتو مانغويل.

وما الحصيلة؟ ما الذي قدمه لنا كل هؤلاء؟.

تقول فرجينيا وولف: «النصيحة الوحيدة التي يستطيع أن يسديها شخص لآخر حول القراءة هي أن لا يتبع أي نصيحة، هي أن تتبع حواسك، أن تستخدم عقلك، وأن تتوصل إلى استنتاجاتك الخاصة..». علينا ألا نشعر بالإحباط، فكما أننا لا نتوقع أن تكون رواية ما بمثابة «كتالوغ» للحياة تمنحنا قواعد محددة لأسلوب عيش أمثل، أو أن تمنحنا قصيدة مفاتيح السعادة المحققة.. فكذلك يجب ألا نتوقع من هؤلاء الكتاب والشعراء أن يقدموا لنا قواعد ثابتة لقراءة مثالية، أن يكشفوا أمامنا كلمة السر المخبأة، أن يرسموا لنا الطريق الوحيد إلى فردوس القراءة العظيمة المتخيلة.

نصوصهم حول القراءة مثل رواياتهم وأشعارهم وكتبهم: إشارات إلى طرق أخرى؛ اقتراحات بوجهات نظر مختلفة؛ أفكار تستحق التأمل والتجريب؛ تجارب ولادة لمعان جديدة؛ لفت نظر إلى زوايا منسية؛ أسئلة غير مألوفة.. ومن شأن كل ذلك أن يوسع أفقنا وينمي مداركنا ويحفزنا على كسر قوالبنا الجامدة ورؤانا الضيقة.

كذلك يجب ألا يفاجئنا وجود تناقضات بين النصوص، بين قراءة «مثلى» وفق كاتب وقراءة «مثلى» مختلفة وفق كاتب آخر. إنها، وكما كل شيء في الحياة، زوايا نظر متعددة.

يركز كيبلينغ، مثلاً، على قراءة الكتب الكلاسيكية كمدخل ضروري وتأسيسي للثقافة «إذا حصرنا اهتمامنا باللغة التي نتحدث بها اليوم، وبمعنى آخر إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا وركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقاد بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه..». وهو يصر على غرس الكتب الكلاسيكية في الأذهان منذ الصبا المبكر، كما أنه يوصي بـ «أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي الوطني عبر كل العصور». منظور كيبلينغ للقراءة يتسم بالروح العملية: علينا أن نقرأ لنتجنب أخطاء أسلافنا، ولنؤهل أنفسنا للعب أدوار ووظائف بكفاءة عالية.

خلاف ذلك تماماً، يذهب هنري ميللر إلى أنه «يجب على الشخص حينما يفتتح مشوار قراءته أن يبدأ بالكتب الصادرة في زمانه، وأن يقرأ لمعاصريه»، مندداً بـ «الخرافة» القائلة بأن على الصغار أن يعرفوا عن كل شيء قادنا لما نحن عليه الآن. وكذلك فهو يستهجن التوصية بأن «يعرف المرء عن أدب بلاده». حوافز القراءة عند ميللر ليست عملية وإنما وجودية، إن صح التعبير: «ما فائدة الكتب إذا لم تعدنا إلى الحياة لنعب من مائها؟ أحياناً، وكما نعلم كلنا، يكون البحث عن كتاب ما أكثر إثراء لأرواحنا من الكتاب ذاته».

هيرمان هسه يقدم تصنيفاً لمستويات القراءة: القراءة الساذجة، حيث يسلم القارئ قياده للمؤلف مغيباً ذاته وحسه النقدي. والقراءة من المستوى الثاني حيث تحضر ذات القارئ كند للنص وللمؤلف. أما في المستوى الثالث فيكف القارئ عن قراءة الكتب حقاً وإنما يقرأ فيها ذاته وحسب، وهو يواجه قضية القراءة بحرية كاملة، ولا يتطلع إلى تثقيف أو تعليم من قبل المؤلفين، بل يستخدم الكتاب كما يستخدم أي شيء آخر في هذا العالم، مجرد نقطة انطلاق وتحفيز.

ويحذرنا هسه من البقاء في المستوى الثالث طويلاً، ومع ذلك فعلينا أن نجربه بين الفترة والأخرى «إبق ولو لمرة في حياتك في المرحلة الثالثة لساعة أو يوم.. ستجد نفسك، ومن السهل أن تتراجع، قارئاً أفضل ومستمعاً أفضل من ذي قبل». 

القارئ الجيد بالنسبة إلى فلاديمير نابوكوف هو «من يملك الخيال والذاكرة والمفردات وبعض الحس الفني»، وكذلك فـ «القارئ الجيد، القارئ العظيم، القارئ النشط والخلاق هو قارئ يعيد ما يقرأ».

جوزيف برودسكي يقترح طريقة غريبة وطريفة للتمييز بين الكتب الجيدة والكتب الرديئة، وهي أن نقرأ الشعر أولاً وأساساً. اكتشاف الشعر الجيد أكثر سهولة وسرعة، بضع أبيات فقط تكشف لنا أمام أي قصيدة نحن. والشعر الجيد يزودنا بمعايير موثوقة للحكم: الدقة؛ الاختصار؛ التكثيف؛ السرعة؛ العمق.. وباستخدام هذه المعايير يغدو سهلاً الحكم على كتب النثر من روايات وقصص ومذكرات.. باختصار: الكتب الأقرب إلى معايير الشعر هي الكتب التي تستحق القراءة..

وفي الختام يحضر بورخيس: «.. لا تقرؤوا أي كتاب لأنه مشهور أو حديث أو قديم. إذا كان الكتاب الذي تقرؤونه مملاً فاتركوه.. إذا شعرتم بالملل من أي كتاب فاتركوه، فهذا الكتاب لم يؤلف من أجلكم.. يجب أن تكون القراءة إحدى أشكال السعادة الخالصة، ولذا فإني ألقي بوصيتي الأخيرة.. إلى جميع قرائي الحاليين والمستقبليين بأن يقرؤوا كثيراً ولا يغتروا بسمعة كاتب ما. اقرؤوا من أجل متعتكم ولأجل أن تسعدوا، فهذه هي الطريقة الوحيدة». 

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر