د فاطمة الصالح: وصلنا لعدد كبير من المنتجات المعاد تدويرها

 محطات التدوير المتنقلة قد تكون حلاً ملائماً للحالة السورية

قبل أن يبدأ المهندس ببناء مشروعه، فهو يقوم بالعملية التي تسمى تهيئة الموقع، وهذا يتطلب إزالة العوائق، وتحضير الأرضية المناسبة للبدء بالعمل، وعلى المستوى الأكبر، أي على مستوى بلد كامل تبقى القاعدة صحيحة، وأي عملية بناء تعني البدء بتحضير الأرضية المناسبة، وقد خلّفت الحرب ـ من بين الأشياء الكثيرة التي خلّفتها ـ  كميات هائلة من الأنقاض، صارت عملية التخلص منها مشكلة هندسية كبيرة قد تؤثر جديا على عمليّة إعادة الإعمار.

“الهندسة والمقاولات” التقت بالدكتورة الصالح لتتحدث لنا عن مشكلة الأنقاض في سورية، وعن طرق حلها، بالإضافة إلى إعطائنا لمحة عن المشروع الوطني لإعادة تدوير أنقاض الأبنية واستخدامها في مجالات أخرى، وعن البنى التحتية التي انتهت من تنفيذها مؤخرا، فكان الحوار الآتي.

ما هي مشكلة البحث الأساسية؟ وكيف بدأت التفكير بها؟

سأجيبك عن الشق الثاني من السّؤال أولا، لقد بدأت بالتّفكير في هذا البحث بعد دخول الإرهاب إلى مدينة حلب، ونزوحنا من بيتنا، حيث رأيت بأمّ عينيّ مدى الخراب الذي لحق بحيّنا، وتتالت مشاهد الخراب التي حلّت في مدننا؛ الأمر الذي شكّل هاجسا بالنّسبة إليّ، ومع اطلاعي على بعض الأبحاث عن إعادة تدوير نواتج الهدم والإنشاء في العالم بدأت باحثة في هذا المجال بمشاريع تخرّج، ثمّ بدأت بالتّخطيط لمشروع، مع قراءتي إعلانا عن استدراج مشاريع بحثيّة بتمويل من صندوق دعم البحث العلميّ والتّطوير التّقانيّ. ومع الفوز بالتّمويل بدأنا العمل.

 أما عن فكرة المشروع فتتلخّص بتجنّب الأضرار البيئيّة والاقتصاديّة النّاتجة عن ترحيل الأنقاض؛ ولذلك تمّ أخذ كلّ العمليّات الهندسيّة الممكنة في حالة استخدام موادّ الأنقاض في الموقع، أو استخدام موادّ طبيعيّة، وتمّ إعطاؤها نقاطا بيئواقتصاديّة ضمن ميزان اقتصاديّ بيئيّ متكامل بيد أنّ الاستفادة من الأنقاض في الموقع يعدّ الأفضل من النّاحيتين البيئيّة والاقتصاديّة؛ وبناء عليه: تمّ العمل على تصنيع موادّ تحقّق المواصفات، والاشتراطات الهندسيّة، ثمّ إدخال بعض الإضافات والتّعديلات لإكساب هذه الموادّ صفات إضافيّة وفق المنهجيّة الموضّحة بالشّكل الآتي:

ما هي المنافع المتوقّعة من إعادة تدوير مخلّفات البناء؟

من خلال ما ذكرته، ووفقا للأبحاث العالميّة في هذا المجال فإنّ أهمّ الفوائد تتجلى في التقليل من الكلف المدفوعة لنقل الأنقاض إلى المطامر البعيدة ضمن الأراضي الزّراعيّة خارج المدن، وكذلك المحافظة على الموارد الطّبيعيّة، والتقليل من التأثيرات السّلبيّة على البيئة، بالإضافة إلى توفير في الطّاقة، هذا عدا عما ستوفّره عمليّات إعادة التّدوير في الموقع، وتصنيع موادّ صديقة للبيئة من تكاليف عمليّة إعادة الإعمار، وتوفير القطع الأجنبيّ، والمحافظة على البيئة.

ما هي معوقات إعادة التّدوير؟

تورد المراجع والدّراسات الدّوليّة عددا من المعوقات منها: التّصميم غير الملائم لمحطّات إعادة التّدوير، وعدم توفّر المعدّات، وكفاءة المشغّلين، وقصور في التّخطيط والتّجهيز، ونقص رأس المال، وعدم وجود إدراك للمشاكل المتوقّعة النّاتجة عن الترحيل، ومعرفة بحلّها، وربما يكون عدم الإدراك هذا هو العقبة الأساسيّة في الحالة السوريّة خاصّة وقد سعينا جاهدين من خلال المشروع إلى زيادة الوعي الهندسيّ في هذا المجال لأنّنا، كمهندسين، ندرك فائدة الأبحاث الحقيقيّة التي تتمّ في هذا المجال لنشر الوعي، ولمساعدة أصحاب القرار في اتخاذ ما يناسب من إجراءات في هذا الخصوص.

ما هي العوامل التي تؤثّر على إعادة تدوير موادّ البناء؟

بشكل عام تؤثّر حجوم الموادّ المنتجة، وتصميم العمليّات، والعمالة، وتجهيز الموادّ، والطّاقة، طبيعة البنى التّحتيّة، ومواصفات الموادّ المدوّرة المنتجة على عمليّة إعادة التّدوير، وفي الحالة السوريّة فإنّ حجم الأنقاض الكبير، وطبيعة الموادّ الموجودة فيها تجعل عمليّة إعادة التّدوير تؤثّر بشكل إيجابيّ على الاقتصاد الوطنيّ، وتستوجب العمل على إنشاء صناعة إعادة تدوير حقيقيّة من الأنقاض.

قلت صناعة إعادة التّدوير؟!! هل هذا ممكن فعلا في سورية؟

نعم؛ يجب أن تكون هناك صناعة إعادة تدوير، ويجب أن تحظى بالدّعم اللازم من النّاحية التّشريعيّة. في أوربا، وفي عدد كبير من بلدان العالم، هناك صناعة قائمة على محطّات إعادة تدوير مخلّفات الهدم، وهي مربحة وتساهم في تنمية اقتصاد تلك البلدان؛ بل حتّى إنّ مثل هذه المحطّات تعالج أنقاض مناطق من دول مجاورة، وبالرّغم من الاختلاف الكبير في خواصّ مكوّنات الأنقاض لديهم أكبر بكثير من تلك التي في بلدنا، لكن هذا لا يعني أنّنا يمكن أن نبدأ مثل هذه الصّناعة دون أن نقوم بالدّراسات الكافية لذلك، ومنها الأبحاث والدّراسات التي نفّذناها في إطار المشروع.

بما أنّك تحدثت عن محطّات التّدوير، هل يمكن أن نعرف ما هي أنواع محطّات التّدوير وأيها يمكن استخدامه في مرحلة إعادة الإعمار؟

يوجد عدّة أنواع من محطّات التّدوير. النّوع الأوّل هو محطّات تدوير كبيرة مركزيّة تنقل إليها الأنقاض، وتفرز، وتطحن، تمهيدا لإعادة استخدامها، إلا أنّها تعدّ من الحلول غير الجيّدة إذا كان موقع المحطة بعيدا كثيرا عن موقع الأنقاض، بسبب وجود كلف نقل إضافيّة.

كما توجد محطّات تدوير صغيرة يمكن أن تتوضّع في مواقع متعدّدة من المدن، وتتمّ فيها عمليّة الفرز، والطّحن محليّا، وهي مجدية من النّاحية الاقتصاديّة، لأنّها تخفّض كلف النّقل، ولكنّ العدد الكبير من المحطّات، ومن أجهزتها، قد يكون مكلفا اقتصاديّا. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحلّ الأفضل للبيئة السوريّة قد يكون محطّات التّدوير المتنقّلة، ونصف المتنقّلة.

نماذج من المنتجات المصنعة من المخلفات الانشائية – التجارب جرت في حلب

ماهي مراحل العمل في المشروع؟

شمل المشروع عدّة مراحل، أو أقسام بالشّكل التّالي:

أولا: القسم النّظريّ وتضمّن القيام بالأعمال التّحضيريّة، وبالدّراسات النّظريّة اللازمة للمشروع حيث تمّ تنفيذ الأعمال التّالية: الاطلاع على الأبحاث العالميّة في هذا المجال، وإعداد دراسة مرجعيّة شاملة للمواضيع البحثيّة التّجريبيّة الخاصّة بالمشروع، وإعداد ملف شامل عن إدارة الأنقاض، وطرق معالجة حصويات معادة التّدوير، وإعداد ملفّ شامل عن المعايير الخاصّة بالبيتون ذي الحصويات معادة التّدوير.

ثانيا: القسم الميدانيّ: تمّ في هذا القسم القیام بدارسة میدانیّة تجریبیّة لمدينة حلب لتحدید أنواع الأنقاض الموجودة فيها، ثمّ تحدید نسب الموادّ المختلفة المكوّنة لهذه الأنقاض، حيث تمّ أخذ عیّنات تمثّل الأنقاض الموجودة في عدّة مواقع في المدینة، وتمّ تحدید نسب الموادّ المختلفة الدّاخلة في تركیبها تمهيدا لرسم خارطة أوليّة للأنقاض.

ثالثا: القسم التّجريبيّ وقد تضمّن عددا مهمّا من المواضيع المتعلّقة باستخدام الموادّ معادة التّدوير الموجودة في الأنقاض، وقد تمّ العمل أولا على تصنيع موادّ بناء مختلفة باستخدام الموادّ الموجودة في الأنقاض، والتي تحقّق المواصفات ذات الصّلة، ثمّ تمّ تطويرها.

ما هي الموادّ التي قمتم ببحث إمكانيّة إنتاجها باستخدام الأنقاض؟

قمنا بتجارب كثيرة جدّا على معظم الموادّ الهندسيّة الممكن تصنيعها من الأنقاض وهي: الخلطات البيتونيّة المختلفة، خلطات البلوك المصنّع من الأنقاض الحاوية حصويات معادة التّدوير، ونسب مختلفة من البلاستيك والنّسيج، خلطات البلوك الحاوية على حصويات معادة التّدوير، ونسب مختلفة من الخبث البركانيّ (البوزولان)، خلطات مونة إسمنتيّة عازلة للماء باستخدام الحصويات النّاعمة معادة التّدوير، خلطات عزل حراريّ باستخدام الحصويات النّاعمة معادة التّدوير، خلطات حجر صناعيّ، خلطات بيتونيّة خفيفة باستخدام الحصويات معادة التّدوير مع الخبث البركانيّ، أو الحصويات النّاتجة عن تكسير القرميد الأحمر الموجود في الأنقاض، واستخدام مقشوط الطرق الاسفلتية RAP في الطرق، تحسين مواصفات الترب الضّعيفة عن طريق خلطها بالموادّ الحصويّة لأنقاض الأبنية، وخلطات البيتون النفوذ الحاوية على الحصويات معادة التّدوير. وكانت النّتائج في معظمها إيجابيّة بل أكثر من أيّة إيجابيّة في بعض الحالات.

رأينا تركيزا على موضوع البلوك لماذا؟ وهلا أعطيتنا فكرة عن عملكم في هذا المجال؟

قمنا باستخدام الحصويات معادة التّدوير في عدد كبير الخلطات والمنتجات كما رأيت، في حالة خلطات البيتون كانت النّتائج جيّدة، ولكن يجب إيلاء الموضوع عناية بطرق الخلط، إذ تتعلّق جودة الخلطة النّاتجة بمواصفات الأنقاض المستخدمة فيها بشكل أكبر بكثير من حالة خلطات البلوك، والتي يمكن أن تكون الخيار الأساسيّ الذي يستهلك كميّات كبيرة جدّا من الأنقاض.

 أمّا كيف عملنا في المشروع بهذا الخصوص فقد هدف هذا الجزء من البحث إلى التّوصّل إلى نموذج رياضيّ قادر على تخمين المقاومة، والتّشرّب، والإيصاليّة الحراريّة للبلوك المصنّع من أنقاض المباني مهما كان نوع الموادّ التي تحويها وكميّتها، وذلك من خلال تنفيذ برنامج تجريبيّ شمل أكثر من خمسين خلطة موزّعة على سبع مجموعات من خلطات تحوي حصويات طبيعيّة ومعادة التّدوير مع البلاستيك والنّسيج بنسب مختلفة لبناء نموذج رياضيّ شامل يمكن استخدامه بأحد الشّكلين التّاليين:

  • يمكن من خلال هذا النّموذج، وبعد إدخال نسب الموادّ المختلفة الموجودة في الأنقاض، تحديد نوع البلوك الممكن تصنيعه، وتحديد مقاومته وتشرّبه المتوقّعين.
  • كما يمكن ايجاد حلّ النّموذج الرّياضيّ، وإيجاد القيمة الأمثل في فضاء الحلّ الذي يعطيه النّموذج تبعا للمواصفات المطلوبة، كلّ على حدة، أو أكثر من مواصفة لإنتاج بلوك يتمتع بمواصفات معيّنة معروفة مسبقا.

أظهرت النّتائج أنّ مقاومة البلوك الحاوي نسبا من الحصويات معادة التّدوير، والبلاستيك، والنّسيج على الضّغط تعدّ جيّدة، وتحقّق المواصفة السوريّة، ـبينما كانت قيم التّشرّب أعلى من القيم المعتادة إلى حدّ ما، وانخفضت الإيصاليّة الحراريّة بشكل واضح.

وقد تمّ اقتراح اعتماد نظام جدران مؤلّف من البلوك المصنّع في هذا المشروع مع طبقة من المونة العازلة الإسمنتيّة ذات الأساس الأكريليكي بسماكة 2-3 ميمتر المصنّعة من الحصويات النّاعمة معادة التّدوير، نتيجة النّمذجة الرّياضيّة مع تابع كلفة أصغري، والتي تمّ تصنيعها في المشروع أيضا ممّا سيتغلب على مشكلة التّشرّب، وفي الوقت نفسه يحقّق الاقتصاديّة اللاّزمة للمرحلة المقبلة من خلال الإيصاليّة الحراريّة المنخفضة، خاصّة أنّ التّوجّه السّائد في العالم يتجه نحو تصنيع أنظمة جدران عازلة اقتصاديّة وذات سماكة قليلة قدر الإمكان ممّا سيقلل الاستيراد بالقطع الأجنبيّ.

في محاولة إيجاد خلطة خاصّة لتصنيع البلوك باستخدام الحصويات معادة التّدوير مع الخبث البركانيّ (البوزولان) تمّ تصميم برنامج تجريبيّ تضمّن إحدى وعشرين خلطة موزّعة على ستّ مجموعات، تضمّنت المجموعة الواحدة أربع خلطات باستثناء المجموعة الأخيرة التي تضمّنت خلطة واحدة من البوزولان فقط؛ حيث تمّ استخدام الحصويات الطّبيعيّة المعادة التّدوير مع الخبث البركانيّ، وتمّ استبدال الخبث البركانيّ من مجمل حجم الحصويات.

وقد أعطت نتائج اختبار المقاومة على الضّغط قيما جيّدة محقّقة للمواصفة السوريّة وبينما زاد التّشرّب زيادة غير حقيقيّة أحيانا لدخول الماء إلى فقاعات الهواء الموجودة في الخبث.

 ولذلك اقترحنا أن يتمّ اعتماد البلوك الحاوي على الخبث البركانيّ (البوزولان) مع طبقة رقيقة من المونة الإسمنتيّة عازلة مائيا ذات الأساس الاكريليكي المصنّعة في اطار المشروع على الوجهين كنظام جدران عازلة للحرارة لتوفر الخبث في سورية بشكل كبير، ولاقتصاديّته من خلال العازليّة المنخفضة، وتقليل استيراد موادّ العزل، ممّا يقلّل هدر مخزون القطع الأجنبيّ.

هل يفضّل استخدام الموادّ المدوّرة في عناصر إنشائيّة حاملة؟

ذكرت لك يمكن استخدامه وفي التّجارب العالميّة توصلوا إلى مقاومات تصل إلى حدود 600 كغ/سم2.

في التّجارب التي قمنا بها وصلنا إلى 300 كغ/سموتبيّن لنا أنّنا يمكن أن نصل إلى قيم أعلى خاصّة في المدن التي تستخدم الحجر في البناء، أو الإكساء.

وحاليا قمت بالتّقديم على مشروع بحثيّ جديد بتمويل من الهيئة العليا للبحث العلميّ يتضمن دراسات واسعة جدا على استخدام الحصويات النّاتجة عن الأنقاض في خلطات البيتون وذلك لتطوير نتائج المشروع ولتشمل معظم المحافظات السوريّة المتضرّرة كحالات بحثيّة دراسيّة وبمشاركة عدد كبير من باحثي القطر في هذا المجال. وقد وصلنا إلى المراحل النّهائيّة من القبول، وسيكون هذا المشروع بمثابة مرحلة ثانية مكمّلة لهذا المشروع.

لديك أي إضافة أخرى؟

أقول في الختام أنّ هناك مسؤولية علميّة وأخلاقيّة علينا جميعا كمهندسين، وعلى صنّاع القرار كي نقوم بعمليّة إعادة الإعمار بأقلّ الكلف الممكنة والتّخلّص من هذه الأنقاض بالطّريقة الصّحيحة، وبالرّجوع في هذا المجال إلى رأي الخبرات المتوفرة في بلدنا في هذا المجال فسورية تستحق منا العمل الدؤوب والحثيث للوصول بها إلى الأفضل، ومعركة إعادة الإعمار لا تقلّ أهميّة عن أي نوع من المعارك الأخرى، ونحن قادرون على الانتصار في هذه المعركة بخبراتنا وسواعدنا.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر