تثبيت ملكية تثبيت انتماء

م. لجين عصام سليمان

حين وصل إلى حرستا رأى على الجدار عبارة مكتوبة بخط عريض لكنّه متسرّع: “ممنوع الدخول لمن ليس له عمل”، التزم مضمون العبارة، وحبس في حلقه ملايين الكلمات والمشاعر، إذ كيف بإمكانه أن يشرح أنه الوحيد في العالم الذي يحق له القول: “لست ليس لي عمل”

أرهقني مظهر ذلك الرجل العائد من كندا للتو، والذي رأى العبارة بالخط العريض بعد لحظة من صعوده، وأرهقني أكثر ضياع بصره لدقائق، فالرجل ببساطة قادم ليتفقد منزله.

 بالطبع ـ وكما يمكن لكم ان تتوقعوا ـ أدار ظهره تاركا مكتبته التي جمعها عبر عقود كتاباً فكتاباً، في رقدتها وسكينتها الأبدية تحت ركام الحرب، وعاد من حيث أتى.

وعلى ما يبدو إنّها تجربة جديدة لإظهار الانتماء، تنتظر السوريين اليوم، فعلى الرغم من أنّ الانتماء انتقل من التفاخر بالمنازل الفارهة في زمن السلم إلى تأمل الأعمدة المدمّرة بعد أن حطّت الحرب رحالها، وعلى الرغم من أن السكن بين الجدران الشامخة تحوّل إلى إقامة بجانب الركام والدمار، إلا أنّ المعركة الحالية أضحت انتماءً لهويّة وطنية تحتاج الكثير للنهوض، فالوقوف إلى جانب ذلك الركام في السرّاء والضرّاء، لن يستمرّ كخيار، ولا مفرّ من أننا سوريون، لم نزل نحتاج إلى كثير من وطن، وسنحتاج الكثير من هذا الوطن بعد ان نعثر عليه.
ذلك الوطن الذي لن يعيد بناءه إلا نحن، بعد العودة وتثبيت الملكية مجددا، لا ملكية الأرض والعقار في السجلات العقارية، وإنما استعادة حقّ الوجود على تلك الأرض، مهما تكن قد اختلفت وتضاربت أسباب وأساليب الرحيل. 
وعلى الرغم من أن “تثبيت الملكية” بات من المصطلحات القانونية، والمتعلّقة بجزء كبير منها، بالجانب العقاري والقانوني، تمهيدا لتوصيف الأضرار في المناطق المدمرة، إلا أن لتلك الملكيّة بعد الحروب معنى أعمق بكثير، معنى يشتمل على الاعتراف مجددا بانتماءنا إلى كلّ ذرة ركام سقطت وكلّ حبة تراب غادرتنا وغادرناها، كي نقول مجدّدا نحن هنا، سافرنا وسنعود، وتهجّرنا وسنرجع، ولن نترك تلك الأنقاض القابعة هنا وهناك، توحي لنا بالدمار، بقدر ما تعطينا دفعا للعمل والإنجاز.
فبعد أن رسم الرصاص قصصا على جدران منازلنا، وبعد أن أسقطت القذائف أجزاء وأجزاء من ذكرياتنا في تلك البيوت، آن الأوان اليوم كي نعود جميعا، لا لنبدأ بالإعمار فقط، لأنّ ما يسبق تلك العملية، قد يكون أهم من إعادة التشييد بحد ذاته.
وإن كان بإمكاننا اللّعب على الألفاظ، لا بدّ أن نقول، هو ليس تثبيت ملكية، بل تثبيت انتماء، وإعادة اعتراف بأننا جميعا نحتاج كل ذرّة تراب توجد اليوم في هذا الدمار، كي نعيد بناءها ليس كما كانت في السابق، بل كما يجب أن تكون، انطلاقا من تجربتنا في حرب السنوات الثمانية.
فالسجل العقاري لن يبقى عقاريا، إنما سيتحوّل إلى سجل مصيري، يؤرخ لمرحلة جديدة، تتحدّث عما فعله السوريون بالركام الذي غطّى أراضيهم، والمهمة ليست سهلة.
زاوية المرصد – مجلة الهندسة

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر