الساقي أم القرد لا يهم، ساكي يكتب قصصاً جيدة

بريد الشام – المحرر الثقافي

بدءاً من العام 1904 صار الكاتب الإنكليزي هكتور هيو مونرو يوقع قصصه ورواياته باسم مستعار غريب: ساكي. وتقول شقيقته إنه التقط هذا الاسم من «رباعيات الخيام» بعد أن أُعجب بشخصية الساقي، ولكن الناقد توم شارب يدحض هذه الرواية: «في نسختي الخاصة من الموسوعة البريطانية فإن الساكي يوصف على أنه سعدان جنوب أمريكي يتميز بذيل طويل كثيف الشعر، كما أنه حيوان رقيق جداً وهو عادة صامت. كان مونرو حيواناً رقيقاً جداً.. كان من النوع الصامت أيضاً». ويقول شارب أن مونرو يتابع، باستعارة هذا الاسم، نهجه في تقليد جيبون. لقد كان الكاتب الشاب مبهوراً بالمؤرخ الانكليزي الشهير، ولسنوات عديدة ظل يثابر في محاكاته، حتى أنه ألف كتابا في التاريخ عن الامبراطورية الروسية لم يخف على كل من قرأه أنه جاء على منوال كتاب جيبون الشهير «انحدار وسقوط الامبراطورية الرومانية»، وبما أن جيبون اسم لنوع من السعادين فكان لزاماً على مونرو أن يتخذ لنفسه اسم سعدان أيضاً..

ولد ساكي في بورما (العام 1870) لأب هو المفتش العام للشرطة البورمية، وبعد وقت قصير من ولادته توفيت أمه فأعيد مع أخويه إلى انكلترا حيث عاش في كنف عمتين عوانس كانتا مثالاً في القسوة والتسلط. درس في مدرسة اكسماوث وفي مدرسة بدفورد المتوسطة، ثم التحق بالشرطة البورمية ولكنه استقال بسبب تردي حالته الصحية. سافر في جميع أنحاء أوروبا وعمل محرراً ومراسلاً صحفياً، قبل أن يشرع في كتابة القصص التي صدرت في عدد من المجموعات أبرزها: «حكايات كلوفيس» و«وحوش ووحوش ضخمة»، كما كتب روايتين «باسينغتون الذي لا يطاق» و«حين حضر ويليام». تطوع جندياً في الحرب العالمية الأولى، وحارب في فرنسا حيث لقي حتفه هناك سنة 1916.

ترجم توفيق الأسدي عدداً من قصص ساكي إلى العربية، ووضعها في مجموعة بعنوان «مختارات من أفضل ما كتب ساكي»، مع مقالة للناقد توم شارب جاءت كمقدمة.

يقول شارب: «ابدأ بقراءة قصة لساكي ولسوف تنهيها. وإن انتهيت من قصة سيكون عليك أن تبدأ بأخرى، وبعد أن تنتهي من قراءتها كلها فلن تنساها قط. إنها تتبقى كنوع من الإدمان. إنها أكثر بكثير من مجرد كونها مثيرة للضحك. إنه الضحك الممزوج بحس الوحشية، والسخرية المصقولة الممزوجة بمبدأ وحدة الوجود، والإنكار الكامل للمبادئ الأخلاقية الممزوج بالمثالية، لذلك فان النتيجة التي نخرج بها هي ذلك الشعور المقلق بأننا شاركنا في احتفاء بالغريزة الذكية والعارية».

يلخص هذا المقبوس كثيراً من السمات الأساسية في قصص ساكي: «الضحك الممزوج بحس الوحشية»، وهذا ما نجد مثالاً واضحاً عليه في قصة «إسميه»، حيث تروي البارونة مغامرة صيد خاضتها مع صديقتها الآنسة برودل، وتتفنن الراوية في السخرية من بلاهة صديقتها وسلوكها الطائش وأسئلتها الساذجة، وتستحضر النكات والمفارقات المضحكة، ولكن كل هذه الكوميديا إنما تصف واقعة مرعبة: ضبع مخيف رافقهما في رحلتهما والتهم طفلاً على مرأى منهما!.

وكذلك هو الأمر في قصة «تحفظ الليدي آن»، فالزوج الواقف في ردهة الاستقبال أمام زوجته الصامتة يبدو مهرجاً حقيقياً، يعتذر لها عن خطأ ما ارتكبه بحقها على مائدة الغداء، مستعرضاً نظرياته العلمية وفلسفته في الحياة، ومستذكرا مراحل من حياته الزوجية، كما أن الراوي يشارك في السخرية من الزوجة المتسلطة، من تكلفها وعنجهيتها وعلاقتها الشائكة بزوجها.. ولكن مقابل هذا المنولوج الضاحك فإن الزوجة «لم تبد أي علامة على التدخل. فهي ميتة منذ ساعتين».

«الغريزة الذكية والعارية» تتجلى في الكثير من قصص المجموعة. في قصة «غابرييل ارنست» تنتصر هذه الغريزة، المجسدة في الفتى المتوحش، على فان تشيل، مالك الغابات والارستقراطي الدعي، وكذلك فإن «شبيه ماوكلي» هذا يسخر من عمة المالك ومن مثلها الساذجة وورعها الأخرق..

في قصة «توبر موري» نقف أمام كورنيلوس أبين وهو يستعرض أمام عدد من السيدات والسادة إنجازه العلمي الخارق: لقد استطاع بعد جهد سنوات طويلة أن يعلم قطاً كلام البشر. وأمام أعين الحضور الذاهلة يدخل القط توبر موري متبختراً ليثبت صحة مزاعم صاحبه، وبعد بضع أسئلة من الضيوف وبضع إجابات منه، تتحول المعجزة العلمية إلى فضيحة، فالقط يفضح نمائم الحضور واغتياب بعضهم بعضاً ويكشف زيف عواطفهم وصداقتهم.. ببساطة لقد دمر في بضع دقائق علاقتهم التي بنوها في عقود، ذلك أن القط تعلم كلام البشر لكنه لم يتعلم التهذيب البرجوازي وفن المجاملة والنفاق الاجتماعي. وبعد ادعائهم الحماس للعلم ومنجزاته، يصل المجتمعون إلى قرار جماعي بأن يضعوا السم في طعام توبر موري.

خلف القسوة والسخرية السوداء والمفارقات الصادمة، ثمة حس نقدي حاد يتوجه إلى الحياة السياسية وإلى تقاليد المجتمع، ولا سيما الطبقة البرجوازية، وإلى الأخلاق العامة والشعارات الزائفة. ففي قصة «الهدوء المؤقت» نتعرف على سياسي مخضرم أنهى لتوه معركة انتخابية حامية، جال فيها على القرى وخطب بالمزارعين، وأبدى اهتماماً فائقاً بقضاياهم ومشكلاتهم، مدعياً معرفة واسعة بتفاصيل حياتهم وهمومهم وتطلعاتهم، قبل أن يقرر أخذ استراحة قصيرة في المنزل الريفي لإحدى قريباته، وقد اجتهدت هذه في الإعداد لاستراحة مثالية يبتعد فيها قريبها المنهك عن كل ما يمت إلى السياسة بصلة. أخفت صور السياسيين ونزعت عن الجدران كل لوحة أو إشارة إلى شخصية أو حدث سياسي، كما أوصت ابنة أخيها، فيرا، أن تتجنب وضع ربطات الشعر الزرقاء والصفراء التي تذكر بألوان الأحزاب المتنافسة..

وصل السياسي إلى منزل استراحته المرجوة ليجد أن فيرا قد أعدت له مقلباً قاسياً، فما أن ولج غرفته مساء ليضع اللمسات الأخيرة على خطاب يتناول شؤون المزارعين ومسائل تنمية الثروة الحيوانية، حتى اقتحمت فيرا عليه خلوته جارة وراءها خنزيراً صغيراً وديك مصارعة، زاعمة أن سد برينكلي قد تحطم وأن الفيضان الناجم عن ذلك أغرق الحقول والزرائب وأحاط بالمنزل من كل الجهات، وعندما سألها السياسي أن تضع الحيوانين في الحمام بدلاً من غرفته، ادعت أن حمامهم مزدحم الآن بعشرين من فتيان الكشافة الذين جاؤوا لإنقاذهم، وفوق ذلك فقد طلبت معطفه الجديد الثمين لأحد هؤلاء الفتية والذي أنهى حمامه الساخن ويحتاج ثياباً دافئة..

تروي القصة تفاصيل مضحكة عن ليلة الرجل السوداء مع الخنزير والديك، والمفارقة أن السياسي المحنك لم يكلف نفسه عناء النظر من النافذة ليتحقق من الفيضان، بل انه لم يتساءل إن كان ثمة سد أصلاً في برينكلي!.

يتحدث شارب في مقالته عن الحيرة التي رافقته طويلاً وهو يواظب على قراءة ساكي. وربما أن هذه الحيرة لا تقتصر على الناقد وحده، إذ يصاب قارئ قصص ساكي بالحيرة نفسها، ويتساءل مراراً: فتى مستذئب، ونساء يرافقن ضبعاً، وغابات مليئة بالوحوش الغامضة.. ألا يكون الأمر أنني إزاء حكايات رعب مبتذلة؟. ولكنه سرعان ما يتوقف عند الجمل الذكية والمفارقات البارعة والإشارات الرشيقة. وكذلك يتوقف عند هذا التكرار للتيمات المتشابهة، فيرجح وجود عمق أكثر أهمية خلف هذا السطح من الإثارة الفاقعة.

ويبقى ذلك الشغف الذي أشار إليه شارب، وذلك الفضول الذي تلهبه قصص ساكي.. والأهم أن هذه القصص تعيش في الذاكرة بعد الفراغ من قراءتها، ما يعني، على الأرجح، حكماً إيجابياً لصالحها.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر