ميكانيك الإنشاءات التي حولتني لمبرمجة

م. مريم الإبراهيم

حين دخلت كلية الهندسة المدنية (في جامعة البعث عام 2010)، لم أكن قد حسمت خياراتي المستقبلية بعد، ولم أكن أعرف الكثير عن تفرعات وتشعبات هذا الاختصاص الذي اخترته، وكنت أتعرف على تفاصيل هذا العلم مثل الطفل الذي يستكشف العالم، وكما هي الحال في أغلب الكليات العلمية، تعَدّ البرمجة مقررا أساسيا في السَّنة الأولى، تعلَّمنا فيه إحدى لغات البرمجة، بطَريقة مبسطة جدا، بحيث تمكنا من تنفيذ برامج رياضيَّة، بعيدة عن التطبيقات الهندسيَّة العميقة، وهنا بدأتُ أشعر بمتعة كَبيرة في دراسة هذه المادَّة، وبدأت أتعلق بالبرمجة، على الرَّغم من أَنَّها ليست من الموادّ الإنشائيّة الأساسيَّة في علم الهندسة المدنيَّة.

وبعد نجاحي في تلك المادَّة بدرجة ممتاز، أصبحت منسيةً بالنسبة إليَّ، كباقي الموادّ التي ننهي امتحاناتها، وبخاصة أَنَّنا اعتدنا على الدِّراسة تَخلُّصاً من عبء الامتحان فقط.

لكني كنت محظوظة، إذ تلقيت في السنة الرابعة مادة “ميكانيك الإنشاءات3” على يد أستاذ مهتم بالبرمجة، وهي مادة يعتمد محتواها العلميِّ على علم التَّحليل الإنشائيِّ، باستخدام الطريقة الأكثر انتشارا على مستوى العالميَّة، إذ تَقوم عليها معظم البرامج الهندسية التي تعرف بـ “العناصر المحدودة” أو ما يسمَّى بالـ “finit element”

وبتشجيعٍ، ودعمِ كبيرين من أستاذ المادَّة (د.سليمان العمودي) فقد بدأت باسترجاع معلوماتي البرمجيَّة، التي تعلَّمتها في السَّنة الأُولى، والتي لم تكن بالطبع كَافيةً من الناحية العلميَّة، لإتمام الأهداف التي حاولت الوصول إليها، الأمر الذي تَطلَّب مني كثيرا من الجهد، والتدريب والبحث، خاصَّةً عندما تُواجهني مشكلَةٌ برمجيَّة.

وكنت أدرك أن البرمجة أهم العلوم المعاصرة، إذْ نستطيع من خلالها إنتاج برامج تَخدم مَجالات الحياة كافة، لا سيما في مجال العلوم الهندسيَّة.

وفي نهاية السَّنة الرَّابِعَة، تمكنت من تصميم برنامج قَادرٍ على تحليل الإطارات المستوية وفق طريقة العناصر الَحدودة، باستخدام البرمجة ضمن بيئة بَرنَامَج ” VBA Excel”، ممَّا جعلني أُفكِّر بتنفيذ مشروع تخرجي اعتمادا على هذا المبدأ.

اعتمد جزء من مشروعي على إجراء “تَحليل دِينَامِيكيّ” باستخدام طريقة طيف الاستجابة (Response spectrum) لمبنى مؤلَّف من عشرة طوابق، مع مقارنة نتائج التَّحليل، مع النَّتائج التي يعطيها واحد من أكثر برامج التَّحليل الإنشائيّة انتشارا، وهو برنامج (ETABS) حيث جاءت النتائج متقاربةً إلى حدٍّ كَبير.

وبعد ذلك قمت بتصميم عدد من البرامج الخَاصَّةً بتصميم المقاطع البيتونية المسلحة برمجيا.

وخلال دراستي للماجستير في الهندسة الإنشائيَّة، استمريت في هذا العمل، مع رغبة عميقة بتطوير معارفي البرمجيَّة، فتعلمت لغة برمجيَّة جديدة وهي #C.

وبدأت العمل، اعتمادا على هذه اللُّغة، على برنامج خَاصٍّ بتَحليل الإطارات الفَراغيَّة، بحيث يقارب البرامج العالمية المستخدمة في التحليل الإنشائي، وقد تطلب هذا العمل مني كثيراً من التفرغ والجهد والوقت، لأحصل بعد سنة من العمل المتواصل على نتائج جيدة مقارنة مع التوقعات.

إضافةً إلى تصميم برامج خاصة بالتَّحليل اللاخطيّ، للأعمدة المقواة بالقمصان البيتونية، وهو موضوع بحثي، أعمل عليه حَاليَّا في رسالة الماجستير بإشراف أُستَاذي الدُّكتور سليمان العامودي.

أخيرا: أريد أن أقول: إنه، على الرَّغم من التحديات والصعوبات الكبيرة التي تواجه العاملين في هذا المجال، وبالأخصِّ من غير المختصين، وعلى الرَّغم من أنَّ البعض يعدُّ العمل البرمجي حكرا على الشباب، فقد كان تطويع البرمجة فيما يخص تطبيقات الهندسة الإنشائية من أمتع التجارب بالنسبة إلي، حيث أسهم بشكل فعال بتطوير معارفي العلمية، سواء البرمجية أم الإنشائيّة حيث إن البرمجة تتطلب إحاطةً نظرية جيدة بالموضوع المدروس .

وانطلاقا من تجربتي، فإنني أشجع جميع الزملاء من الطلاب أو المهندسين الدخول في هذا المجال، ليس بهدف أن نكون مبرمجين محترفين، بل للاستفادة من هذا العلم في ابتكار تطبيقات تساعدنا، في عملنا الهندسي، وكذلك في ترسيخ معلوماتنا النظرية، التي نتلقاها في محاضراتنا خلال سنوات الدراسة كافة.

  • بحثاً عن التجارب الرائدة، وعن السوريات الملهمات والمؤمنات بأنفسهن وبمهنتهن وبلدهن، وتقديراً للجهود الفردية التي لا يحتفي بها أحد كما تستحق.
  • نخصص هذه الزاوية للمهندسات السوريات، ونرحب بأي مساهمة فيها، والدعوة مفتوحة لكل مهندسة لديها شيء مختلف تظن أنه يشكل إلهاماً لزميلاتها، وترغب بالمساهمة في عمران هذه البلاد.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر