السعادة معدية!

فاطمة عمراني

لطالما أحب أبو حسين الروماني أن يزور أقاربه في وقت متأخر، يقرع جرس الباب، يلهث بشدة، ليس سهلاً على رجل بعمر السادسة والخمسين أن يصعد أربع طوابق دفعة واحدة.
يدخل من الباب، يقبل الجميع، يخرج من جيبه قطعة زنجبيل صغيرة ترافقه حيثما ذهب، يردد جملته المعتادة “حطولنا الإبريق على النار”.
يبدو أن الفراغ الذي شغلته ابنته الكبرى، آلاء، قبل سفرها دفعه للبحث عن حديثها في أي محاور بارع يصادفه!
سافرت آلاء برفقة زوجها إلى بيروت منذ 3 سنوات، خولتها كلية الحقوق التي تخرجت منها لتناقشه مطولاً، أختها زهراء سافرت أيضاً مع زوجها منذ 4 سنوات، أما حسن وحسين فلا يزالان مؤنسا وحدة والدتهما في المنزل.
يستذكر أبو حسين أيام خدمته في الجيش: “خدمت جيش بضيعة اسمها دوير طه في ريف طرطوس”. يسترجع أدق التفاصيل عن أسماء لم يعد يعرف شيئاً عن معظم أصحابها.
يتحدث عن أيام خدمته العسكرية في الساحل: “صلحت كل آلات الضيعة اللي كانت تخرب، وما كان يعجز عليي شي”.
كان أبو حسين “مسبع الكارات” في خدمته، فهو تقريباً يجيد كل شيء.”ما حدا بيطلع له معي بالشغل” يقولها بكبرياءِ واثقٍ من نفسه، من صغره يعمل بـ “خراطة المعادن” أي تشغيل المعادن أو اللدائن وغيرها بالقطع على آلات التشغيل وصنع المشغولات المعدنية الدورانية والأسطوانية والمخروطية.
يناقش في نظرية “فيثاغورث”، ونسبة الكثافة في المعادن واختلافها حسب طبيعة المعدن، متغلباً علي بشهادتي الجامعية في الإعلام، والتي لم تسعفني حتى بتذكر تلك النظرية.
لم تباعد سنوات الأزمة “أبو حسين” عن راحة البال، فيقول: “بالمال ولا بالعيال”.بيته في بلدة أوتايا بالغوطة الشرقية ما زال قائماً، لكنه بات على الهيكل، وبالرغم من ذلك يبتسم مستذكراَ فنجان قهوته الصباحي في مطبخ لم يبق منه اليوم سوى جدران.
يتابع أبو حسين: ” رجعت على “أوتايا” بعز الإشتباكات، لقيت جيراني يلي كانوا بالجيش الحر جثث مرمية على الأرض، يونس وعلي وسامي وطارق، دفنتهم بإيدي ودفنت معهم ذكرياتنا وضحكتنا وجيرتنا الحلوة، دفنت دموعي وغصة قلبي، دفنت طيبة يونس، نخوة علي، شهامة سامي، ونخوة طارق، ما بعرف كيف صار هيك”، يقولها بحرقة.
يروي الروماني كيف بنى منزله بيديه، واختار كل التفاصيل بعناية فائقة، لم يسعفه الوقت في فرش المنزل بشكل كامل، فقد خرج من بيته هرباً من الاشتباكات التي اشتعلت في “ليلة ما فيها ضو قمر” بحسب تعبيره.
“كلشي راح بس الحمد لله أنا مبسوط، العالم بتحكي عن مشاكلها وأنا بيني وبين حالي بحمد ربي لأني مرتاح، اشتغلت وتزوجت وجبت ولاد؛ المصاري مو كلشي بالدنيا، المهم إني كبرت ولادي وصاروا شباب، قادرين يعتمدوا على حالهم” يبدو أن ضميره مرتاح، لم تعد تؤرقه مشاكل الأبناء المعتادة.
لم تكسره الحرب، ولم تقلل ثقته بنفسه وبمستقبل يجهل إذا ما كان مشرقاً أم لا. فهو لا يهتم.”اليوم عايشين، بكرا الله أعلم” ترافق عبارته ابتسامة بشوشة لا تخلو من بارق تفاؤل يبدو ظاهراً في عينيه.
يبرد فنجان الزنجبيل خاصته، يعفيني من مهمة تسخينه، فلا وقت لديه، ينهض متثاقلاً للعودة لمنزله فالعمل لن ينتظر غداً.
أودع خالي أبو حسين بابتسامة تشبه ابتسامته.فالسعادة معدية!

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر