المرأة والاقتصاد – هل يؤثر الفكر النسوي في علم الاقتصاد؟

على مدى النصف الأخير من القرن الماضي، غير الاقتصاديون النسويون (Feminist Economists) فهمنا لكيفية عمل الاقتصاد العالمي. فقد انتقدوا عمى النوع الجنسي للنماذج الاقتصادية التقليدية، وطعنوا في الوصف التحليلي للتنمية والعولمة اللذان يتجاهلان الكثير من النشاط الاقتصادي للمرأة، حيث طور الاقتصاديون النسويون أُطر تحليلية لفحص العلاقات بين الجنسين التي تتخلل المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك الأسواق والحكومات والأُسر والشركات. وقد أنتجت تلك الدراسات منهجيات جديدة تتضمن تجارب المرأة في النماذج الاقتصادية والإحصاءات وتقييم الظواهر الاقتصادية. وقد دفعت أبحاثهم حدود المعرفة بتحدي النماذج والمفاهيم والأفكار والفئات التقليدية التي كانت متأصلة ونادرًا ما يتم تدقيقها.

الاقتصاد النسوي
الاقتصاد النسوي هو دراسة نقدية لعلم الاقتصاد والنظم الاقتصادية، مع التركيز على النوع والتحليلات الاقتصادية الشاملة والتحليلات السياسية فنرى أن تركيز الكثير من الأبحاث الاقتصادية النسائية على الموضوعات التي تم إهمالها في هذا المجال، مثل أعمال الرعاية، أو النظريات الاقتصادية التي يمكن تحسينها من خلال دمج أفضل للتأثيرات والتفاعلات بين الجنسين، مثل الأجور المدفوعة وغير المدفوعة فى قطاعات الاقتصاد. في حين ركز الاقتصاد التقليدي على الأسواق والأفكار المرتبطة بالذكور المتمثلة في الاستقلالية والتجرد والمنطق، ويدعو الاقتصاديون النسويون إلى استكشاف شامل للحياة الاقتصادية، بما في ذلك موضوعات مثل اقتصاديات الأسرة، ودراسة أهمية الروابط والوضوح والعاطفة في شرح الظواهر الاقتصادية. وقد ساعد إدراج مثل هذه المواضيع في وضع سياسات حدّت من التمييز والظلم وعدم المساواة بين الجنسين والعنصرية والعرقية، مما أدى إلى تحقيق الأهداف المعيارية الأساسية لجميع الاقتصاديات.

ومن منظور آخر يمكن اعتبار الاقتصاد النسوي مجال يتضمن كلًا من الدراسات حول أدوار الجنسين في الاقتصاد من منظور تحريري وعمل نقدي موجه نحو التحيز في محتوى ومنهجية علم الاقتصاد بتحديه التحليلات الاقتصادية التي تعامل المرأة على أنها غير مرئية، أو تعمل على تعزيز المواقف الظالمة للمرأة، وتطور أبحاثًا مبتكرة مصممة للتغلب على هذه الإخفاقات. ويشير علم الاقتصاد النسوي إلى كيف أن الانحيازات غير الموضوعية المتعلقة بالمواضيع والمنهجية قد أضرت بمصداقية وموضوعية أبحاث الاقتصاد وأمكانية استكشاف بدائل أكثر ملائمة.

نقد النسوية للاقتصاد التقليدي
في حين أن عدم رضا النسويات عن المنح الدراسية السائدة في المجال الاقتصادي كان متأصلًا في إهمال وتشويه تجاربها، إلا أن النسوية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي كانت قد أثارت انتقادات أكثر شمولًا. كان العديد من الاقتصاديين النسويين يكتشفون أن النماذج التقليدية للنظريات المختارة والتركيز الضيق على الأساليب الرياضية والإقتصادية كانت عبارة عن فراش بروكرست (Procrustean ped) -محاولة إحداث التجانس بالقوة- عندما يتعلق الأمر بتحليل الظواهر المشحونة بالعلاقة مع الآخرين والتقاليد وعلاقات الهيمنة. بدأت النسويات في إثارة التساؤلات حول التعريف السائد للاقتصاد، وصورته المركزية عن «الرجل الاقتصادي»، والاستخدام الحصري لمجموعة معينة من الأدوات المنهجية[3].

تم جمع المقالات حول هذا الموضوع في مجلد عام 1993 بعنوان (أبعد من الإنسان الاقتصادي: النظرية النسوية والاقتصاد – Beyond Economic Man: Feminist Theory and Economics). في هذا المجلد تم إجراء تحقيقات في كيفية وضع مجموعة معينة من القيم المهنية، مع التركيز على العوامل المرتبطة بالذكاء الثقافي مثل الاستقلالية والفصل، والعوامل الثقافية المرتبطة بالأنوثة مثل الاعتماد المتبادل والترابط والواقعية. جادل المساهمون بأن بدلًا من أخذ العوامل الأولى كدليل على الصرامة والانضباط، فإن اقتلاع الأساليب التي أوجدها التحيز الذكوري قد أضعف قدرة الانضباط على تفسير ظواهر العالم الحقيقي. مما أثار الأسئلة حول الاقتصاد السائد ليس لأنه موضوعي للغاية، ولكن لأنه ليس موضوعيًا بما فيه الكفاية.

ومن المحاولات، قيام مؤتمر عقد في أمستردام عام 1993 بتطوير هذا المجال،بتطوير نظريات السلوك البشري التي تشمل التوازن بين الفردية والعلاقة، الاستقلالية والاعتماد، والعقل والعاطفة. ويميل الاقتصاديون النسويون إلى أن يجدوا أن مثل هذه الجهود الجادة لخلق وتشجيع أشكال أكثر ملاءمة من الممارسات الاقتصادية تؤدي إلى رؤى جديدة في جميع المجالات، سواء كان الموضوع الذي تتم دراسته مرتبطًا بنوع الجنس أم لا.

وقدمت خبيرة الاقتصاد النسوية البارزة بولا انجلاند (Paula England) واحدة من أقدم نقاط نقد النسويات للاقتصاد التقليدي حيث حددت الادعاءات التي تقول:

من المستحيل إجراء مقارنات بين الأشخاص.
أن الأذواق خارجية وثابتة.
تلك الجهات الفاعلة أنانية.
يتصرف أرباب الأسر بطريقة خالية من الأنانية.
وهذه القائمة ليست شاملة ولكنها تمثل بعض الانتقادات الاقتصادية النسائية المركزية للاقتصاد التقليدي، من بين مجموعة واسعة من وجهات النظر والنقد.

الاهتمامات التجريبية للاقتصاد النسوي
يمكن توضيح المناهج التجريبية المختلفة اللازمة لمعالجة الشواغل النسائية من خلال مناقشة ثلاث مجالات رئيسية تهم الاقتصاديون النسويون على مر السنين.

قياس/ تقييم عمل المرأة غير المدفوع الأجر.
القضايا داخل الأسرة (توزيع الدخل والموارد، وتوزيع العمالة، وصنع القرار، وعلاقات القوة).
عمليات النوع (الجنس) الاجتماعي في سوق العمل المدفوع].
هذه مكونات أساسية للتحليل يعتبر فيها النوع الاجتماعي من المبادئ الأساسية في الاقتصاد -وهو اقتصاد لا يقتصر على السوق- بل هناك موضوع موحد للعمل النسوي يتمثل في تحدي التمييز بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي، والعمل المدفوع وغير المدفوع الأجر، والأنشطة السوقية وغير السوقية، والعمالة الإنتاجية والإنجابية.

لا يزال الاقتصاد النسوي معترفًا به على نطاق واسع ويهتم به العديد من المنظمات المُكرسة له أو التي تتأثر بمبادئه. فعلى سبيل المثال، تأسس في عام 1992 الرابطة الدولية للاقتصاديات النسوية (IAFFE)، وتسعى إلى تحدي التحيز الذكوري في الاقتصاد الكلاسيكي. ومجلة الاقتصاد النسوي تقر جدول أعمال معياري لتعزيز السياسات التي من شأنها تحسين حياة الناس في العالم، رجالًا ونساء. حيث في عام 2007 صنف مؤشر الاستشهاد في العلوم الاجتماعية (ISI) مجلة الاقتصاد النسوي الـ 20 من بين 175 مجلة في علم الاقتصاد، والثاني من بين 27 مجلة متخصصة في دراسات المرأة.

ويشارك الاقتصاديون النسويون العديد من وجهات نظرهم مع الاقتصاد البيئي وفي مجال الاقتصاد الأخضر تحديدًا، حيث يضم الاقتصاد الأخضر أفكارًا من الاقتصاديات النسوية، سعيًا لتحقيق المزيد من المساواة الاقتصادية العامة بين الجنسين. وكثيرًا ما يرتبط الاقتصاد النسوي باقتصاديات الرفاهية أو اقتصاديات العمل، لأنه يؤكد على رفاهية الطفل وقيمة العمل في حد ذاته، بدلًا من التركيز التقليدي حصرًا على الإنتاج للسوق، بما في ذلك التركيز على قيم الاستدامة والطبيعة والعدالة والرعاية.

المصدر: الباحثون المصريون

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر